صحة

الإدمان لا يقتلك فجأة بل يسرقك من نفسك قطعة قطعة

الإدمان لا يقتلك فجأة بل يسرقك من نفسك قطعة قطعة
بقلم / أيمن فرغلي
استشاري صحة نفسية ومتخصص في علاج الإدمان
كنت أظن أنني أستطيع التوقف متى شاء حتى اكتشفت متأخرا أنني لم أعد أعرف كيف أتوقف أخطر ما في الإدمان أنه لا يأتيك كعدو واضح بل يدخل حياتك متنكرا في شكل راحة مؤقتة ثم يخرج وقد أخذ منك كل شيء
كيف يبدأ الإدمان
قد لا تبدأ قصة الإدمان بكارثة ولا بسقوط مدو كما يتخيل البعض بل تبدأ غالبا بلحظة هروب صغيرة من ألم أو ضغط أو فراغ ثم يتحول هذا الهروب تدريجيا إلى احتياج ثم إلى عادة ثم إلى قيد خفي يلتف حول الإنسان حتى يكتشف متأخرا أنه لم يعد يملك السيطرة على نفسه ولا على حياته
الإدمان لا يحدث فجأة ولا يصيب فئة بعينها قد يطرق باب أي إنسان يظن أنه قادر على التحكم وأن الأمر لن يتجاوز حدود التجربة أو التسلية لكن الحقيقة القاسية أن كثيرين دخلوا هذا الطريق وهم يعتقدون أنهم أقوى من السقوط ثم وجدوا أنفسهم يفقدون شيئا فشيئا علاقاتهم واستقرارهم وصحتهم وقدرتهم على اتخاذ القرار
متى يصبح الإنسان مدمنا
المدمن هو الشخص الذي يفقد السيطرة على تعاطيه لأي مادة مخدرة بما في ذلك الكحول والماريجوانا فبمجرد أن يبدأ لا يستطيع التوقف بسهولة ويصبح أسير دائرة مغلقة من التفكير المستمر في التعاطي ورغبة ملحة تدفعه للعودة مهما كانت العواقب وقد يحاول التوقف مرات عديدة بمفرده لكنه يفشل ويعود مرة أخرى رغم ما يراه من خسائر وانهيارات في حياته
الإدمان ليس ضعف إرادة
وهنا يجب تصحيح واحدة من أكثر الأفكار ظلما وخطورة الإدمان ليس ضعف إرادة ولا انحرافا أخلاقيا الإدمان في حقيقته مرض مزمن ومتفاقم يؤثر على الجسد والعقل والنفس وقد يقود إلى الموت إذا لم يتم التعامل معه بشكل جاد ومبكر ولذلك فإن فهم طبيعة المرض هو أول أبواب التعافي الحقيقي
كيف يبدأ التعافي
التعافي لا يبدأ عندما يصبح الإنسان مثاليا بل يبدأ عندما يعترف بأنه يحتاج إلى المساعدة وأنه لم يعد قادرا على المواجهة وحده وهنا تظهر أهمية زمالة المدمنين المجهولين Narcotics Anonymous كنموذج إنساني فريد يقوم على الدعم المتبادل والخبرة المشتركة حيث يجد الشخص مساحة آمنة خالية من الأحكام والنقد وسط أشخاص مروا بنفس الألم وفهموا المعاناة من الداخل
وتقدم الزمالة برنامجا عمليا للحياة بدون مخدرات يعتمد على الخطوات الاثنتي عشرة Twelve Steps وهي أدوات تساعد الإنسان على إعادة بناء ذاته واستعادة حياته من جديد البداية لا تحتاج إلى بطولة خارقة بل إلى قرار بسيط وصادق لن أتعاطى اليوم يوم واحد فقط ثم يوم آخر وهكذا يبدأ الطريق
وماذا عن الانتكاسة
أما الانتكاسة Relapse فلا تعني نهاية الطريق بل قد تكون رسالة واضحة بأن هناك شيئا يحتاج إلى مراجعة وتصحيح كثير من المتعافين مروا بانتكاسات قبل أن يصلوا إلى استقرار حقيقي المهم ألا تتحول الانتكاسة إلى استسلام بل إلى دافع للعودة بشكل أسرع وأكثر وعيا
الحقيقة التي يهرب منها الجميع
لقد جرب كثيرون الهروب من الإدمان عبر السفر أو تغيير الأصدقاء أو الزواج أو حتى العزلة لكنهم اكتشفوا أن المشكلة الحقيقية لا تسكن المكان بل تسكن الداخل وأن التعافي الحقيقي يبدأ عندما يواجه الإنسان نفسه بصدق ويتوقف عن الهروب
ختاما
المدمن المتعافي ليس شخصا خارقا بل إنسان قرر أن يستعيد حياته يوما بعد يوم وأن يختار نفسه من جديد كل صباح يمتنع عن التعاطي يحضر الاجتماعات يطبق البرنامج ويساعد غيره لأن مساعدة الآخرين جزء أساسي من استمراره في التعافي
ويبقى العضو الجديد هو أهم شخص في أي اجتماع لأنه يذكر الجميع ببداياتهم الأولى ويمنحهم فرصة جديدة للأمل والعطاء
قد يسلبك الإدمان سنوات من عمرك لكن التعافي قادر أن يعيد لك نفسك وطالما قلبك ما زال ينبض فباب العودة لم يغلق بعد
فهل ستختار اليوم أن تبدأ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى