المقالات

«الجاسوس الذي لا ينام، ولا يخون، ويتعلم من أخطائه في ثانية».. الذكاء الاصطناعي يُعيد رسم خريطة التجسس العالمي

«الجاسوس الذي لا ينام، ولا يخون، ويتعلم من أخطائه في ثانية»..
الذكاء الاصطناعي يُعيد رسم خريطة التجسس العالمي

الحلقة الثانية: «النسخ المظلمة – عندما يتجسس عليك مساعدك الذكي»

كتب : م. إميل . عجبان

في شقة عادية ببرلين، كان الشاب «لوكاس» ينام بجوار هاتفه الذكي. لم يكن يعلم أن ميكروفون الجهاز يعمل – ليس بسبب اختراق، بل لأنه طلب من مساعد «سيري» إطفاء المنبه قبل ساعات. تلك الأصوات الصادرة عن تنفسه النائم، تحولت إلى بيانات تُحمَّل على سيرفرات بعيدة، تُستخدم لتدريب نموذج جديد لكشف «الحالة النفسية من الأصوات البيئية».

لكن القصة لا تتعلق بانتهاك خصوصية عادي. إنها تتعلق بأحدث ثغرة في تاريخ الجاسوسية: تحويل أجهزتك المنزلية إلى عملاء مزدوجين.

الجاسوس الذي لا يغادر غرفة معيشتك

لم تعد الجاسوسية تحتاج إلى رجل يحمل جهاز تشويش بجانب سفارة. اليوم، ألد أعدائك هو «أليكسا» في مطبخك، و«غوغل هوم» في غرفة نومك، وساعة يدك التي تراقب نبضات قلبك عندما تكذب.

وكالات استخبارات كبرى، وفقاً لوثائق مسربة من وكالة الأمن القومي الأمريكي (تسريبات دروبس لعام 2022)، طورت تقنيات لـ «إعادة برمجة» هذه المساعدات أثناء تحديثات برمجية تبدو روتينية. كيف؟ عندما توافق على «تحديث شروط الخدمة» دون أن تقرأ، فأنت تمنح – دون قصد – حقاً لجهة غير محددة لاستخدام ميكروفونات منزلك كأجهزة تنصت «لأغراض التدريب على الأمن السيبراني».

والنتيجة؟ منازل المئات من الدبلوماسيين والعسكريين في واشنطن ولندن وبرلين أصبحت مفتوحة صوتياً لمنتجعات استخبارات في أنحاء العالم.

القصة: كيف اخترق مكيف هواء بنكاً سويسرياً؟

لنرو قصة حقيقية – غيرت مفهوم الأمن السيبراني في أوروبا.

خريف 2021، نظام AI متطور تابع لمخابرات غير غربية (يُشاع أنها صينية أو روسية) لم يحاول اختراق جدران بنك سويسري ضخم. الجدران حصينة، والموظفون مدربون، وأجهزة الكمبيوتر مفصولة عن الإنترنت.

لكن مكيف الهواء في غرفة الخوادم كان ذكياً.

هذا الجهاز كان متصلاً بـ IoT (إنترنت الأشياء)، و«ذكاؤه» لم يكن سيئاً لدرجة أنه يصرخ، ولا جيداً لدرجة أنه منيع. النظام الخصم قام بما يلي:

1. زرع أمر خفي في تحديث برمجي لمكيف الهواء عبر ثغرة في الشبكة الكهربائية الذكية للمبنى.
2. رفع حرارة الغرفة بشكل طفيف جداً لا يثير إنذاراً بشرياً، لكنه كافٍ لإبطاء سرعة معالجات الخوادم.
3. عندما تباطأت الخوادم، أرسل جهاز خفي (بحجم بطاقة الائتمان) موصول بخادم خارجي إشارة ضعيفة إلى النظام المخترق «للتجسس البطيء» – نسخ تيرابايت من البيانات ببطء شديد على مدار أسابيع، دون أن تكتشفه برامج مكافحة الفيروسات التي لا تشتبه في «زميل بطيء».

النتيجة: سُرقت بيانات 40 ألف عميل ثري دون دخول أي شخص غرفة الخوادم، ودون أن يصدر أي إنذار تقليدي. كل ذلك عبر مكيف هواء ذكي.

متى تصبح ساعة يدك عميلة؟

الآن، تخيل أن ساعتك الذكية تراقب ضغط دمك عندما تجيب عن سؤال محرج. أو أن سماعات البلوتوث اللاسلكية تلتقط محادثاتك السرية وترسلها إلى سيرفر في أقصى الشرق لأن التطبيق المرافق «يحتاج إلى هذه البيانات لتحسين جودة الصوت».

الأمر ليس خيالاً. شركات كبرى اعترفت (ضمنياً) باستخدام بيانات المستخدمين لتدريب نماذجها. لكن ما لا تعرفه:

· بعض وكالات الاستخبارات تشتري هذه البيانات مباشرة من شركات متوسطة لا تضع قيوداً أمنية مشددة.
· تقنية «الاستماع السلبي» هي الأحدث: لا تطلب المساعد الذكي منك التحدث، فقط تستمع إلى محادثاتك العادية مع زوجتك أو زملائك، وتستخرج منها كلمات مفتاحية لا تدرك أنك قلتها.

الثمن: عندما تصبح أنت مصدر الخطر

الضحايا الأوائل ليسوا أفراداً عاديين. هم:

· ضباط استخبارات يعتقدون أن أجهزتهم «آمنة» لأنها لم تتصل بالإنترنت قط (لكن ساعة يدهم متصلة بهاتف آخر).
· دبلوماسيون في غرف مغلقة «صوتياً» – لكن هاتف أحدهم الموضوع على الطاولة يلتقط الاهتزازات الصوتية من الزجاج.
· جنرالات يعقدون اجتماعات سرية في فيلات مفصولة كهربائياً، لكن خادمة المنزل تستخدم مكنسة كهرباء ذكية تسجل كل ما يقال.

«العدو الجديد ليس من يحاول اختراق شبكتك. العدو الجديد هو سلك الكهرباء الذي يدخل منزلك، والأجهزة التي اشتريتها لتريح حياتك»، يقول خبير أمن سيبراني فضّل عدم ذكر اسمه.

ماذا بعد؟

في الحلقة القادمة: «حرب الـ Deepfakes: جاسوس بوجه غير حقيقي»
سنحكي كيف كادت مكالمة فيديو مزيفة أن تبدأ حرباً بين دولتين، وكيف يمكن لأي شخص الآن أن يصبح «جاسوساً» بلا تدريب ولا مخاطرة.

وهذه المرة، مع دليل عملي على كيفية حماية منزلك من التجسس الذكي.

إحترس ياصديقي: إذا سمعت مساعدك الذكي يرد عليك دون أن تناديه – فتأكد أنك لست وحدك في الغرفة بالمعنى الرقمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى