الإسكندرية تحتفي بميلاد مدينة عالمية.. جوهرة المتوسط تعانق ماضيها المجيد لتكتب مستقبلها العالمي.

إمبراطورية الأفكار العظمى.. عندما يتحول البحر الي مسرح
The Great Empire of Ideas. When the Sea Turns into a Theater.
الإسكندرية تحتفي بميلاد مدينة عالمية.. جوهرة المتوسط تعانق ماضيها المجيد لتكتب مستقبلها العالمي.
بقلم /د. م. إميل ن عجبان – مدير مكتب اسكندرية لجريدة كلمة العرب.
الإسكندرية في 24 أبريل 2026
في يوم جمعة استثنائي، وعدسته شمس المتوسط الذهبية، وقف زمن الإسكندرية على تخوم المجد ليُسدل الستار عن فصل جديد من حكايتها الخالدة. ليس بعيدًا عن المكان الذي وضع فيه الإسكندر الأكبر حجر الأساس لمدينته الحلم، كانت مكتبة الإسكندرية تشهد -مساء الجمعة- الجلسة الافتتاحية لاحتفالية كبرى حملت شعارًا طموحًا هو: «الإسكندرية: مولد مدينة عالمية»، في حدث هو الأول من نوعه منذ تأسيس العروس قبل أكثر من 23 قرنًا، ليكون تقليدًا سنويًا جديدًا يليق بمكانتها.
موكب الحضارة يجتاح الشوارع التاريخية
من أمام المتحف اليوناني الروماني، حيث تسكن أصالة الماضي، انطلق موكب مهيب، جاب شوارع الإسكندرية التاريخية، أطفالًا مصريين ويونانيين يرتدون الأزياء التقليدية، ويرفعون علم الإسكندرية عاليًا في تعبير صامت، لكنه بليغ، عن النسيج الحضاري الفريد الذي ميّز المدينة منذ نشأتها. سار الموكب مرورًا بتمثال الإسكندر الأكبر في ميدان ساعة الزهور، متجهًا نحو الرواق الحديث لمكتبة الإسكندرية، في مشهد مهيب مزج بين عبقرية الماضي وطموح الحاضر، ليؤكد مجددًا أن الإسكندرية لم تكن مجرد مدينة تأسست على أرض، بل كانت، وستظل، «إمبراطورية أفكار».
دبلوماسية الثقافة وخطاب التعايش:
شهدت الاحتفالية حضورًا دبلوماسيًا وثقافيًا رفيع المستوى، حيث اجتمع كبار المسؤولين المصريين مع نظرائهم اليونانيين وعدد من سفراء وقناصل الدول الصديقة، متحدين في تأكيد رسالة واحدة، مفادها أن الإسكندرية ستظل رمزًا عالميًا للتنوع والانفتاح.
فقد شهدت الفعالية حضور نخبة متميزة من الشخصيات البارزة، يتقدمهم · الدكتور عبد العزيز قنصوه، وزير التعليم العالي والبحث، المهندس أيمن عطية محافظ الإسكندرية، الدكتور أحمد زايد مدير مكتبة الإسكندري، الدكتورة أميرة يسن نائب محافظ الإسكندرية، السفير نيكولاوس باباجورجيو سفير اليونان بالقاهرة، السيد يوانيس بيرياكيس القنصل العام لليونان بالإسكندرية، الدكتورة منى حجاج رئيسة جمعية الآثار بالإسكندرية، السيدة كاليوبي ليمينوس باباكوستا مديرة المعهد الهيليني لأبحاث حضارة الإسكندرية، المطران جورج نائب قداسة البابا ثيودروس الثاني، الأنبا بافلي نائبا عن قداسة البابا تواضروس الثانى، الدكتورة نبيلة حسن رئيس أكاديمية الفنون
في كلمته بهذه المناسبة قال المهندس أيمن عطية محافظ الإسكندرية: «هذه الاحتفالات تأتي تأكيدًا لمكانة المدينة التاريخية والحضارية، وحرصًا على إحياء تراثها العريق وإبرازه للأجيال الجديدة. الإسكندرية ستظل دائمًا رمزًا للتنوع الثقافي والتعايش الإنساني ومقصدًا حضاريًا وسياحيًا فريدًا».
هذا التعاون الوثيق بين مصر واليونان لم يأتِ من فراغ. فالعلاقة بين البلدين متجذرة في تاريخ الإسكندرية، التي تأسست قبل 2357 عامًا لتكون جسرًا يربط بين حضارتين عظيمتين. ولم يكن غريبًا أن تتعاون محافظة الإسكندرية مع السفارة اليونانية بالقاهرة، وجمعية الآثار بالإسكندرية، والقنصلية العامة لليونان، لترسيم هذا التقليد السنوي الجديد.
عندما يتحول البحر إلى مسرح.. وعروض تخطف الأبصار
ولم يكن الاحتفال مجرد كلمات وخطابات. ففي مشهد أذهل الحاضرين، قدمت القوات البحرية المصرية عروضًا مذهلة على طول كورنيش الإسكندرية، محولةً إياه إلى لوحة بحرية نابضة بالحياة، فيما بدت موسيقى الجيش المصري وكأنها تردّد أصداء انتصارات الماضي، بينما اصطف حرس الفرسان في احتفالية مهيبة أضفت على الحدث طابعًا ملكيًا أصيلًا.
وفي ساحة الحضارات بمكتبة الإسكندرية، حيث تلتقي ثقافات العالم، كانت الفرق الفولكلورية المصرية واليونانية تقدم عروضًا ساحرة، تعانقت خلالها ألحان البلدين في تناغم فريد، لتروي قصة مدينة كانت دومًا عاصمة للعلم والمعرفة، وجسرًا للتعايش بين الحضارات المختلفة.
معارض تنبض بالتاريخ.. ومستقبل واعد
كما لم يخلُ اليوم من فضاءات ثقافية وفنية تُثري التجربة؛ حيث تم افتتاح معرض أثري بعنوان «عشرون عامًا من الحفائر بحدائق الشلالات» بمتحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، إلى جانب مجموعة متنوعة من المعارض الفنية، التي تتيح للزوار فرصة العبور في رحلة عبر الزمن لاكتشاف كنوز المدينة المدفونة.
كما شهدت الفعاليات توزيع جوائز المسابقة الفنية المستوحاة من تاريخ المدينة، وعرض الفيلم الوثائقي المؤثر «الإسكندرية: إمبراطورية الأفكار»، الذي أعاد للأذهان الدور المحوري الذي لعبته هذه المدينة العظيمة كمنارة فكرية أضاءت العالم لقرون طويلة.
منارة للعلم على مر العصور
منذ أن وضع الإسكندر الأكبر تصميم هذه المدينة عام 331 قبل الميلاد، والإسكندرية تُسطّر فصولًا من التفرد والخلود. لقد كانت أول مدينة في التاريخ تُصمم على أسس علمية منظمة، وحاضنة لأول وأهم مكتبة في العالم القديم، ومنطلقًا لإشعاع عصر هلنستي الذى غيّر وجه العالم. هذه العراقة الحضارية هي ما جعلها تستحق اليوم أن تُخلّد ذكرى تأسيسها ليس في تقويم المحافظة فقط، بل في وجدان كل من عشقها.
لقد كانت الإسكندرية، في الماضي، قبلة للعلماء والفلاسفة؛ حيث ازدهرت فيها الرياضيات والفلك والطب على يد علماء مثل هيرون السكندري؛ كما ازدهرت فيها المسيحية المبكرة، لتصبح مركزًا دينيًا وفكريًا ذا تأثير عالمي. وهذا الإرث العظيم هو ما تستحقه عروس البحر المتوسط، التي قررت أخيرًا أن تحتفل ليس فقط بماضيها العريق، ولكن أيضًا بتجددها الحضاري، مؤكدة أنها ما زالت قادرة على أن تلهم العالم.
لقد أثبت يوم 24 أبريل 2026 أن الإسكندرية ليست مجرد مدينة في ذاكرة التاريخ، بل هي فكرة متجددة، وقصة حب لا تنتهي، و«إمبراطورية أفكار» لا تغيب شمسها.
تغطية اعلامية من جريدة كلمة العرب
د. م. إميل ن. عجبان





