«الجاسوس الذي لا ينام، ولا يخون، ويتعلم من أخطائه في ثانية».

«الجاسوس الذي لا ينام، ولا يخون، ويتعلم من أخطائه في ثانية»..
الذكاء الاصطناعي يُعيد رسم خريطة التجسس العالمي
الحلقة الأولى: «موت الجاسوس البشري»
بقلم: د. م. إميل ن. عجبان
في ليلة باردة من يناير 2020، لم يمت قاسم سليماني بصاروخ أمريكي فقط. بل ماتت معه فكرة كاملة عن التجسس. الفكرة التي تقول: «الجاسوس الحقيقي هو إنسان يرتدي معطفاً ويمسك بجهاز لاسلكي».
ما حدث قبل استهداف قائد فيلق القدس الإيراني كان أعمق مما تعتقد. وفقاً لتسريبات استخباراتية لاحقة، لم يكن المخبر الذي حدد موقع سليماني جاسوساً يعمل في مطار بغداد. كان «شيئاً» آخر: خوارزمية ذكاء اصطناعي حللت آلاف نقاط البيانات – تحركات هاتفه الثانوي، عادات قافلته، حتى أنماط الطقس في الليالي التي سبقت العملية.
النتيجة؟ تفجير سيارة أجرة كانت الجاسوسية التقليدية ستحتاج شهوراً لتصل إليه.
الجاسوس الذي لا ينام
تخيل معي عميلاً استخباراتياً لا يحتاج إلى مال، لا يخون قضيته، لا يموت، ولا يخطئ. يستمع إلى 10 مليون مكالمة في الثانية، ويمسح صوراً بالأقمار الصناعية تعادل مساحة دولة كاملة في دقائق، ويتعلم من كل خطأ يرتكبه – ويرتكبه خصومه.
هذا العميل اسمه «أدريال» (وهو اسم وهمي لنظام أمريكي حقيقي). أو «فانغزهو» (نظيره الصيني). أو «جورو» (نسخة روسية مطورة).
في استخبارات الألفية الثالثة، لم تعد الوظيفة الرئيسية للجاسوس هي «التسلل». أصبحت: «تغذية الوحش». فأنت بحاجة إلى كميات مهولة من البيانات لتدريب خوارزمياتك حتى تتفوق على خوارزميات خصمك.
القصة التي لم تروَ: كيف فضح الذكاء الاصطناعي مفاعلاً نووياً سرياً
لنأخذ مثالاً حقيقياً – تم تداوله قبل سنوات في تقارير الـ IAEA. كان لدى جهاز المخابرات المركزية الأمريكية شكوك بوجود منشأة نووية إيرانية سرية. الأقمار الصناعية التقطت صوراً لمبانٍ عادية، لم تخرج عنها شاحنات غير عادية. التحليل البشري توقف عند «لا شيء مريب».
لكن عندما مرت الصور على نظام AI جديد، لاحظ شيئاً لا يمكن للعين البشرية اكتشافه: أنماط اهتزاز طفيفة في الأرض حول مبنى معين، والتي تتطابق مع نمط تبريد أجهزة الطرد المركزي. ليس هذا فقط – النظام ربط بين جداول تسوق حراس المبنى (تم تحليلها من كاميرات متاجر قريبة) وزيادة غير طبيعية في شراء أطعمة غنية بالبوتاسيوم – علامة على التعرض لنسب منخفضة من الإشعاع.
النتيجة؟ كشف المنشأة بدقة لم تكن ممكنة قبل عصر «الجاسوس الآلي».
التطبيقات الجديدة: من التجسس السياسي إلى التجسس «النفسي»
لم يعد الأمر يقتصر على مواقع الأعداء. اليوم، الجواسيس الرقمية تدرس أنماط سلوك القادة.
هناك نظام إسرائيلي (يُشاع أنه اسمه الكودي «بيثوم») يقوم بـ «التحليل التخميني»: يعرف طبقاً لتحليل كل خطاب، كل تغريدة، كل حركة عين في لقاءات الرئيس الفلاني، كيف سيتصرف في أزمة معينة. ليس ما يعتقده، بل كيف سيفكر. هذا هو المستوى الجديد من التجسس: سرقة العقل قبل سرقة الوثيقة.
الثمن: وظائف الجواسيس البشرية في خطر
في استخبارات أوروبية كبرى (مثل MI6 البريطانية)، هناك تخوف واضح. «العميل الميداني القديم يعرف كيف يكذب ويخفي نفسه. لكنه لا يستطيع منافسة خوارزمية تحلل مليار متغير في الثانية».
النتيجة: انخفاض حاد في توظيف الجواسيس البشر التقليديين، وارتفاع طلب هائل على مبرمجين، مهندسي تعلم آلي، وخبراء نفس سلوكي.
«الجاسوس الذي سيضبطك العام القادم، ليس مأموراً سورياً ولا عميلاً صينياً. هو كود موجود على سيرفر بمنطقة صحراوية، تعلم اللغة العربية من فيديوهات اليوتيوب، ويعرف أنك ستخون بلدك قبل أن تعرف أنت نفسك»، هذا ما قاله لي ضابط سابق في وكالة الأمن القومي الأمريكي طلب عدم كشف هويته.
ماذا بعد؟
في المقال التالي: «النسخ المظلمة – عندما تتجسس عليك مساعدك الذكي وتستمع إليك سماعات منزلك».
وسنكشف كيف اخترق AI بنكاً سويسرياً عبر مكيف هواء، وكيف تحولت ساعة أبل لجاسوسة دون أن تدري.





