علي حافة الفقد

“علي حافة الفقد “
بقلم د/ برديس رزق
هناك صداقات تبدأ بكلمة وتكبر بموقف وتترسخ بمرور السنوات… وهناك صداقات أخرى تُولد لتكون قدراً، صديقي لم يكن مجرد شخص شاركني الأيام بل كان مرآتي
عشرة سنوات مرت بيننا… ليست مجرد رقم بل عمر كامل من التفاصيل أيام ضحكنا فيها حتى بكت عيوننا من الفرح وأيام أخرى تشاركنا فيها الصمت لأن الكلام لم يكن يكفي كان دائماً هناك… في نجاحي قبل أن أحتفل وفي ضعفي قبل أن أنكسر… يفرح لي وكأن الإنجاز له ويحزن عليّ وكأن الألم يسكنه هو.
لم يكن صديقاً عادياً… كان ذلك الشخص الذي يقرأني دون أن أتكلم ويشعر بي دون أن أشرح كان الأمان والطمأنينة التي لا تُشترى
لكن الحياة… لا تترك الأشياء الجميلة تمر بسلام
جاء اليوم الذي تبدل فيه كل شيء يوم عرفنا أن صديقي يخوض معركة ليست ككل المعارك… معركة مع مرض السرطان كلمة واحدة لكنها كانت كفيلة أن تهز قلوبنا جميعاً شعور بالعجز بالخوف بالإنكار… وكأننا ننتظر أن يخبرنا أحد أن هذا مجرد كابوس وسينتهي
بدأت الرحلة الأصعب… لم تكن رحلة علاج فقط بل رحلة صبر وأمل وانكسار متكرر رأيت فيه قوة لم أكن أتخيلها ورأيت في نفسي ضعفاً لم أعرفه من قبل كنت أحاول أن أكون قوية لتقبل فكرة المرض لكنه في الحقيقة كان هو من يمنحني القوة
كان يبتسم رغم الألم… يطمئننا رغم خوفه… ويقاوم وكأنه يقاتل لأجلنا جميعاً لا لأجله فقط
لكن هناك لحظات… لحظات يقف فيها الإنسان عاجزاً أمام قسوة الواقع لحظات شعرت فيها أن صديقي صديق العمر يكاد أن يُهزم وهنا… كانت أقسى لحظة عشتها في حياتي.
قهر لا يُوصف… خوف ينهش القلب… وجع يتسلل في كل تفصيله كنا نعيش على الانتظار… انتظار خبر… انتظار أمل ….انتظار كلمة من القدر.
كنت أنظر إليه وأتساءل: كيف لشخص كان يحميني من كل شيء… ان يصبح عاجزا بهذا الشكل و أن أصبح أنا عاجزة عن حمايته من هذا الألم؟
أصعب ما في الأمر لم يكن المرض نفسه بل الشعور بأنك تقف مكتوف الأيدي أمام معركة لا تملك فيها سوى الدعاء أن ترى الألم ولا تستطيع أن تأخذ عنه ولو جزءاً بسيطاً من هذا الألم.
وفي وسط كل هذا… أدركت معنى جديداً للصداقة ليست في الضحك ولا في الذكريات الجميلة فقط… بل في البقاء في أن تظل بجانبه حتى عندما يصبح كل شيء مظلماً في أن تمسك بيده حتى لو كنت لا تعرف إلى أين الطريق.
صديقي لم يكن مجرد محارب للسرطان… كان محارباً للحياة بكل قسوتها علمني أن القوة ليست في عدم السقوط بل في القدرة على النهوض كل مرة علمني أن الأمل ليس شعوراً… بل قرار.
ورغم كل الألم… سيبقى في قلبي ذلك الصديق الذي لم يخذلني يوماً الذي كان لي أكثر مما كنت لنفسي الذي كتب في حياتي فصولاً لا يمكن أن تُنسى مهما حاول الزمن
هذه ليست مجرد قصة مرض… هذه قصة حب من نوع آخر حب صديق لصديقه… حب لا يُهزم حتى لو تعبت الأجساد.
وسيظل الدعاء… هو آخر ما نملكه وأقوى ما نؤمن به.
💔🖤





