المقالات

حين تهان المرأة بإسم الرجولة

حين تهان المرأة بإسم الرجولة

كتبت: فريال محمود علي محمود

إنتشرت على مواقع التواصل الإجتماعي خلال الفترة الحالية مقاطع مصوّرة تُظهر إعتداء بعض الأزواج على زوجاتهم، إعتداءات جسدية ومعنوية، إلى جانب فيديوهات لأشخاص يتحدثون عن زوجاتهم السابقات بألفاظ مهينة، لدرجة أن أحدهم وصفها بأنها «مستعملة»، يشبهها بآلة بلا روح ولا مشاعر، وكأنها لم تكن يومًا سندًا ولا سكنًا ولا رحمة.
وكأن الإساءة صارت مادة للعرض العام، أو وسيلة لإثبات الرجولة والقوة لمن لا يملكونها أصلًا. ورغم أن هذه المشاهد تمثل تصرفات فردية لأشخاص غير مسئولة، إلا أنه لا يجوز التعامل معها بإستخفاف، لأنها تعكس ثقافة مجتمعية قديمة ما زالت راسخة، تمتد بجذورها من الريف إلى الحضر، ثقافة رافضة للتغيير، تنظر إلى المرأة نظرة دونية، وكأنها مجرد آلة لأداء مهام البيت وتربية الأبناء.
هذه الثقافة العقيمة المشوهة ، إرتبط مفهوم الرجولة بالعنف والسب والتطاول، تحت مسمى «بربيها»، رغم أنها هي من حملت أمانة تربية الأبناء أمام الله والمجتمع. فكيف يرى الرجل نفسه وهو يذل زوجته ويسئ لها ويهينها علنًا أمام أبنائها والناس؟ وأي رجولة تلك التي تقوم على الكسر والإهانة والخيانة ؟ تكمن المشكلة الحقيقية هنا في جرأة الظلم والتباهي به .
إيذاء الزوجة، أو تعدد الخيانات، أو الإعلان عنها والتفاخر بها، كلها تصرفات وممارسات تكشف خللا عميقًا في معنى الرجولة. فعند خيانتها يفقد الرجل معنى الرجولة، وعند إهانتها يفقد معنى الإنسانية، وكلاهما ينزع عنه القيم التي خلق الإنسان من أجلها. وتنزع منه الرحمة التي هي شق من اسماء الله الرحمن الرحيم .وتنزع منه القدوة الحسنة برسولنا الكريم في إختصاره لمعيار الرحمة والإنسانية في العلاقة بين الرجل والمرأة في قوله صلي الله عليه وسلم ((ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم )).
فمن يكسر امرأة، أو يخونها بتعدد العلاقات، أو يهينها، هو في الحقيقة شخصية خاوية، تعوض نقصا داخليا أو فشلا أخلاقيًا. فالرجل الواثق من نفسه لا يخون، ولا يكسر، ولا يهين، ولا يختبئ خلف أفعال يندى لها الجبين.
وللأسف، يتعامل الإعلام أحيانًا مع العنف الأسري كمادة جاذبة لرواج الميديا، دون النظر إلى الأثر النفسي والإجتماعي لمثل هذا المحتوى، فتتحول إعادة نشر هذه الوقائع إلى نوع من إعادة تدوير لسوء الخلق، والتجارة بأفكار بالية عفا عنها الزمن، وإستقبال الأمر وكأنه صار طبيعيًا أو معتادًا.
والحقيقة أن سلوك الميديا هنا لا تهدد النساء وحدهن، بل المجتمع بأكمله، لأنها تعيد إنتاج العنف داخل الأسرة، وتنقله إلى أجيال جديدة، وتُسهم في هدم الأسرة ومنظومة القيم والسلوك السوى بالمجتمع.
القضية ليست خلافا زوجيا ولا شأنًا خاصًا، بل مسألة وعي وقيم ومسئولية مجتمعية.
إن إهانة المرأة لا تصنع رجلًا، بل تكشف زيف خلقه وافتقاره لصفات الرجولة ، والتي يعجز صاحبها عن إحترام نفسه قبل أن يحترم غيره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى