هنادي.. فتاة من صعيد مصر (1)

هنادي.. فتاة من صعيد مصر (1)
نورا سمير سعيد فرج
كانت خطواتي الأولى وأنا أدخل باب الجامعة، حيث اندفعت سريعًا إلى المدرج لكي أحضر أولى محاضراتي. وفور دخولي جلست مباشرة إلى جانب فتاة لا أعرفها، ولم أكن أتصور أن القدر سيدفعها لتكون جزءًا مهمًا من حياتي مستقبلا.
بدأ المحاضر في إلقاء المحاضرة، وبدأت أدون في كراستي كل ما يقول، وفجأة توقف القلم. نظرت إلى زميلتي وسألتها:
“يا ترى معاكي قلم تاني؟ أصل القلم بتاعي خلص.”
وعلى الفور ناولتني قلمًا آخر، واستكملنا المحاضرة.
وخلال فترة الراحة خرجنا جميعًا إلى فناء الجامعة، حيث تجمعنا نحن مجموعة خريجات مدارس الأرمن الكاثوليك في مصر الجديدة، ولمحت من بعيد زميلتي تجلس وحدها تشرب العصير.
وجاءت المحاضرة الثانية، وجلست بجانبها مرة أخرى، وسألتها:
“هو مفيش ليكي صحاب في الجامعة؟”
فكان ردها:
“أنا كل حياتي في الصعيد، أخدت الثانوية العامة هناك، ولسه جاية القاهرة من كام شهر بعد امتحانات الثانوية.”
وفي الراحة التالية أخذتها من يدها لتتعرف على شلة “بنات مصر الجديدة”، كما كان يطلق علينا طوال سنوات الدراسة الأربع.
وفي نهاية اليوم خرجنا معًا، وقلت لها:
“ممكن أوصلك؟”
فابتسمت وقالت:
“لا… جدتي مستنياني بره.”
خرجنا معًا، فوجدنا الجدة تجلس في السيارة مبتسمة. تبادلنا السلام سريعًا، ثم تبادلنا أرقام الهواتف.
وخلال المكالمات بدأت تحكي لي قصتها.
قالت إن والدتها كانت من إحدى أكبر العائلات في القاهرة، وفي أثناء دراستها بالجامعة تعرفت على والدها، الذي كان يكبرها بعدة سنوات. نشأت بينهما قصة حب طويلة، ورغم رفض الأسرة في البداية، فإنها أصرت على الزواج منه، وتم الزواج وهي في السنة الثانية بالجامعة، ثم انتقلت معه لتعيش في بلدته بالصعيد.
وهناك كانت المفاجأة.
أصدر الزوج قرارًا بألا تكمل الزوجة تعليمها. ثارت أسرتها، لكنها وافقت في النهاية.
وتقول هنادي:
“ماما عاشت مع بابا في الصعيد، وما كانتش بتشوف أهلها في القاهرة إلا في المناسبات. وخلفتني أنا، وبعدي أخويا وأختي.”
ومرت السنوات.
ثم أضافت بصوت خافت:
“من شهرين، وأنا راجعة من آخر امتحان في الثانوية العامة، دخلت البيت لقيت صريخ في كل مكان… بابا وماما وإخواتي الصغيرين ماتوا في حادثة بعد ما العربية وقعت بيهم في الترعة.”
وتوقفت قليلًا قبل أن تكمل:
“كانت أمي كل حياتي.”
وفي صباح اليوم التالي وصلت جدتها من القاهرة، أم والدتها.
وتقول هنادي:
“كانت سيدة جميلة وهادية، حضنتني وفضلت تعيط، وما ولم تتركني لحظة، وهي تقول بنت الغالية .”
وبعد انتهاء أيام العزاء فجرت الجدة المفاجأة.
قالت إنها ستأخذ هنادي لتعيش معها في القاهرة، وتلتحق بالجامعة هناك.
اجتمع كبار العائلة في الصعيد، ورفض الأعمام الفكرة، لكن الجدة أصرت. ولأن هنادي كانت قد بلغت الثامنة عشرة، وافق الجميع في النهاية على أن تذهب هنادي وتعيش مع الجدة في القاهرة.
وتقول هنادي:
“ركبت القطار لأول مرة في حياتي، ووصلت القاهرة اللي كنت اراها فقط في أفلام السينما والتليفزيون.”
وعندما وصلت إلى شقة جدتها في الزمالك، أدخلتها إلى غرفة والدتها.
الغرفة لم يتغير فيها شيء منذ عشرين عامًا، عندما تركتها أمها وذهبت لتعيش في الصعيد.
وتقول هنادي:
“أجمل حاجة فيها إن الشباك كان بيطل على نادي الجزيرة.”
جلست يومين كاملين انظر من النافذة.
ثم قالت لها الجدة:
“هنلبس الأسود أربعين يوم بس يا بنتي… لكن أنا لبسته من يوم ما بنتي سابتني وراحت تعيش في الصعيد.”
وأضافت الجدة:
“الوحيد اللي كان بيهون عليَّ إني كنت بشوف بنتي وأحفادي من خلال السوشيال ميديا، واتعلمت أستخدمها مخصوص علشان أشوفهم كل يوم.”
وبعدها أخذتها الجدة لتشتري لها ملابس تناسب حياتها الجديدة في القاهرة.
وأخذتها أيضًا إلى نادي الجزيرة.
وتقول هنادي:
“كنت خايفة جدًا… عمري ما اتعودت أختلط بالناس بالشكل ده.”
وبعد فترة ظهرت نتيجة الثانوية العامة ثم نتيجة مكتب التنسيق.
كانت الجدة تتمنى أن تدخل هنادي كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، مثل والدتها، لكن مكتب التنسيق ألحقها بكلية الإعلام.
وابتسمت هنادي وهي تقول:
“علشان أقابلك يا نورا، وتكوني أول صاحبة ليا في القاهرة.”
وبدأت صداقتنا.
وأصبحت هنادي واحدة من شلة “بنات مصر الجديدة” كما يطلق علينا في الجامعة، بينما كنا نحن ندللها باسم “البنت الصعيدية”.
لاحظت أنها كانت تتحاشى الحديث مع أي شاب.
وفي يوم سألتها:
“إحنا هنا بنتكلم عادي مع الولاد… مالِك؟”
فاكتفت بابتسامة، ولم ترد.
ومع الأيام لم تعد مجرد صديقة، بل أصبحت بالنسبة لي أختًا.
حتى إن أختي رانيا كانت تغار منها، وتقول لي ضاحكة:
“الصعيدية دي أخدتك مننا.”
لكنني كنت أحب فيها طيبة قلبها، وتمسكها بأصولها وتقاليدها الصعيدية، ونسيت ان أقول انها كانت فتاة سمراء جميلة، بعينين واسعتين شديدتي السواد، وشعر أسود طويل رفضت أن تقصه كما كانت الموضة وقتها.وكانت تحمل شعورًا غريبًا لم أفهمه في البداية… لكنه سيغير مجرى الحكاية كلها.
أما باقي القصة، فسأحكيه في المقال القادم. فما حدث بعد ذلك لا يمكن أن تتخيله، وكأنه مشهد من أفلام حسن الإمام القديمة. وإ
لى الأسبوع القادم… لنكمل حكاية “هنادي.. فتاة من صعيد مصر”.





