مواقيت العدم: كيف تفضح تاء “الموت” المفتوحة وهم دوام “الحياة” المغلقة؟

مواقيت العدم:
كيف تفضح تاء “الموت” المفتوحة وهم دوام “الحياة” المغلقة؟
كتب /م. إميل ن. عجبان
اسخروا من أوهام الخلود كما تشاؤون، لكن قفوا مشدوهين أمام الفضيحة اللغوية التي تعري طينتنا البشرية بلا ستر: كلمة الموت تنهض منتصبة بتاء مفتوحة تمد عنقها نحو الفضاء برحب وكرامة، بينما الحياة تتكور كزنزانة محكمة الإغلاق داخل تاء مربوطة محبوسة على ذاتها.
غير أن العبث الأكبر لا يكمن في الحروف فحسب، بل في تلك المفارقة المرعبة التي تصنعها مواقيت الموت المباغتة؛ ذلك الموعد الخاطف الذي يأتي خارج حسابات الزمن البشري، ليعطل كل خطط الكائن وهو يعد خطوة الاستمرار في دائرته الضيقة.
إننا نستهلك أعمارنا في ترتيب غد لا يملكه أحد، متوهمين أن الساعات ملزمة بتقديم تقارير طاعة دائمة لنا. نركض خلف الأوهام، ونكدس الأيام وكأنها ودائع في بنك أزلي، متناسين أن الموت يمتلك توقيتات صادمة ومفاجئة، تأتي بلا إنذار مسبق لتقتلعنا من جذورنا المغلقة وتلقي بنا عرايا في فضاء العدم الواسع.
تأملوا جيداً أولئك المستغرقين في أوهام البقاء؛ الكائنات التي أدمنَت تسويف النهايات، متوهمة أن عقارب الساعة قد أُبرم معها عقد صلح أبدي. يعيش الواحد منهم وكأن مواعيد الموت مجرد إشاعات بعيدة، مستعمياً عن تلك اللحظة الخاطفة التي يتدخل فيها الموت في التوقيت الأكثر سخافة وعبثية ليقطع حبل الأفكار والمشاريع المؤجلة.
وهنا تتكشف خديعة الانتظار الكبرى التي تمارسها علينا الحياة المغلقة؛ فنحن نقضي أعمارنا ننتظر اكتمالاً لن يتحقق، ونؤجل الحياة لحين تسوية حسابات وهمية مع الزمن، بينما يظل الموت هو “الاكتمال” الوحيد الذي يفتح كل الأبواب الموصدة. وما إن يباغتنا الرحيل حتى تبدأ هندسة الغياب؛ حيث يتحول الراحلون إلى مساحات شاسعة من الفراغ الذي يعيد ترتيب الأثاث الروحي في أرواحنا.
ولكن، لكي يكتمل هذا النص الخفي، يأتي مفهوم الحرف الأخير ليعيد صياغة المشهد بأسره؛ فالموت ليس مجرد نهاية اعتباطية لجملة عابرة في كتاب الوجود، بل هو ذلك الحرف الأخير الذي يمنح المعنى والوزن لكل الكلمات التي سبقته في الحياة. دونه، تظل تفاصيلنا مجرد ثرثرة بيولوجية مبعثرة، وحكايات بلا غاية؛ وبوجوده، يستقيم المعنى وتتضح نبرة السطور، وكأن الأرواح لا تنضج حقاً إلا حين تقف على حافة ذلك الحرف الأخير لتطل على سعة التاء المفتوحة.
ولكي تتضح الصورة بأبعادها الوجودية الكاملة، دعونا نتصنت على هذا الحوار الفلسفي الساخر الذي يدور في كواليس الزمن بين صانعة الأوهام “الحياة” وسيد المواعيد المفاجئة “الموت”:
الحياة (متأملة بزهد متكلف): ما بال الكائنات ترتجف عند عتباتك، مع أنني أنا منحتهم نبض الوجود وحرارة البدايات؟
الموت (مبتسماً في أفق محايد): لأنكِ يا سيدتي دائرة مغلقة. تمنحينهم الوهم بأنهم يصنعون قدراً، بينما هم أسرى زنزانة محكمة الإغلاق.
الحياة: أنا الفضاء الذي تتشكل فيه المعاني، والمدى الذي تتمايز فيه الذوات!
الموت: وأنتِ أيضاً “تاء” مربوطة؛ تنتهي حيث بدأت، تتكور على ذاتها كجنين في رحم العبث، لا تملك من الاتجاه سوى الدوران في حلقة مفرغة.
الحياة: لكنهم يتمسكون بي، يستنجدون بالبقاء، ويرون فيك العدم الأبدي والقطيعة القاسية.
الموت: لأنهم يخشون إدراك الحقيقة؛ يفضلون سجن المعنى المزور على رحابة العدم الصادق. يظنون أن الخلود ممكن داخل جدرانك الضيقة.
الحياة: أليس في وجودي غاية يجهلونها؟
الموت: غايتكِ الوحيدة هي إطالة الانتظار. أنتِ تمهيد طويل لحتتمٍ قادم.
الحياة: وأنت؟ أما تكتفي بأن تكون النهاية الصامتة؟
الموت: أنا لستُ نهاية، أنا النطاق الأرحب. تائي المفتوحة ليست مجرد حرف، بل هي نافذة مشرعة على اللانهائي، فكاك مطلق من ثقل الوجود المكتظ بالأسئلة العقيمة.
الحياة: هم يهربون منك إليّ، وكلما ضاق بهم الخناق، استنجدوا بنبضي.
الموت: ثم يعودون إليّ حين يدركون أن نبضكِ لم يكن سوى عداد تنازلي صامت. أنا الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى تبرير، بينما أنتِ مجرد محاولة مستمرة لتفسير ما لا يُفسر.
الحياة (متمتمة بوجوم): ربما… لكنهم يفضلون دائماً وهم الاستمرار على صفاء العدم.
الموت (ينهض بهدوء مطلق): دعييهم يستمرون؛ فوهم الاستمرار هو الوقود الوحيد لمهزلتك. وحين تنفد مساحتهم المغلقة، سأفتح لهم بابي على مصراعيه بلا شروط.
هكذا إذن تنتهي المهزلة الوجودية؛ تظل الحياة تغزل خيوطها المغلقة حول عقول الغافلين، بينما يظل الموت مرابطاً في الأفق، بمواعيده الخاطفة ومواقيت التفتيت المفاجئة، بتاءه المفتوحة التي تنتظر اللحظة التي يسقط فيها قناع الوهم، ليتحرر الكائن من ضيق الدائرة إلى رحابة المعنى الأبدي.
هذا المقال، بكل مرارته الوجودية وسخريته من مواقيت العدم، ليس سوى محاولة يائسة لفهم الفاجعة. إنه في تأبين ابن عمي الغالي ماهر عجبان، الذي باغته الموت في توقيته القاسي، فعبر من ضيق “الحياة” المغلقة إلى أبدية “الموت” ذي التاء المفتوحة، تاركاً في قلوبنا أثراً لا يُمحى وفراغاً لا يملؤه العزاء.





