أسرة و مجتمع

جروبات الماميز” في مصر قوة اجتماعية واقتصادية غير مرئية وتحديات “الستر” في العصر الرقمي

جروبات الماميز” في مصر
قوة اجتماعية واقتصادية غير مرئية وتحديات “الستر” في العصر الرقمي
بقلم: د. إيمان م. أحمد إسماعيل

تُعد الأسرة المصرية، بتركيبتها المعقدة ودورها المحوري، حجر الزاوية في البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع. على مر العصور، خضعت هذه الأسرة لتحولات عميقة بفعل التغيرات الاقتصادية، الاجتماعية، والتكنولوجية المتسارعة. في سياق هذه التحولات، برزت ظواهر رقمية جديدة أثرت بشكل كبير على ديناميكيات الأسرة والمجتمع، من أبرزها انتشار “جروبات الماميز” على وسائل التواصل الاجتماعي، وتزايد ظاهرة التدوين المرئي العائلي. هذه الظواهر تجاوزت كونها مجرد منصات لتبادل الخبرات والمعلومات، لتصبح كيانات ذات تأثير اجتماعي واقتصادي ملموس، وفي الوقت ذاته، تثير تساؤلات جوهرية حول مفهوم “الستر” المتجذر في الثقافة المصرية.

هناك فجوة بحثية واضحة في تحليل الدور المتعدد الأوجه لـ “جروبات الماميز” كقوة اجتماعية واقتصادية غير رسمية. فالدراسات الحالية غالبًا ما تتناول هذه الجروبات من زاوية تأثيرها على التعليم أو السلوك الاستهلاكي بشكل جزئي. كما أن التفاعل بين هذه الظاهرة الرقمية ومفهوم “الستر”، الذي يمثل قيمة ثقافية عميقة تتعلق بالخصوصية والحماية، لم يتم استكشافه بشكل كافٍ في سياق التدوين المرئي العائلي المصري..

تاريخيًا، اتسمت الأسرة المصرية بكونها ممتدة، حيث يلعب الروابط الأسرية دورًا أساسيًا في الدعم الاجتماعي والاقتصادي. ومع التحديث والتمدد، شهدت الأسرة تحولًا نحو النواة، لكن قيم التماسك الأسري والترابط لا تزال قوية. هذه القيم تتأثر بشكل مباشر بالتغيرات المجتمعية، بما في ذلك التكنولوجيا التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية.

ويمثل الاقتصاد غير الرسمي جزءًا كبيرًا من النشاط الاقتصادي في مصر، حيث تسهم فيه نسبة كبيرة من النساء، خاصة في توفير الاحتياجات الأساسية للأسر. غالبًا ما تعتمد النساء على الشبكات الاجتماعية غير الرسمية لتسهيل الأنشطة الاقتصادية، مثل جمعيات الادخار (الجمعيات) التي تلعب دورًا حيويًا في الاقتصاد غير الرسمي. هذا السياق يوفر أرضية لفهم كيف يمكن لـ”جروبات الماميز” أن تعمل كمنصات اقتصادية غير رسمية.

كما يُعد مفهوم “الستر” قيمة جوهرية في الثقافة الإسلامية والمصرية، ويشير إلى الإخفاء والصون والحماية. يتجاوز الستر المفهوم المادي ليشمل حماية الأعراض والخصوصية والشرف، ويعكس حرص المجتمع على الحفاظ على كرامة الأفراد والأسر. في السياق الأسري، يعني الستر الحفاظ على خصوصية البيت وأفراده، وعدم إفشاء ما يدور داخله للعلن. هذا المفهوم يواجه تحديات كبيرة في العصر الرقمي، خاصة مع سهولة مشاركة المعلومات والصور والفيديوهات.

يشير التدوين المرئي العائلي إلى قيام الأسر بتصوير ونشر تفاصيل حياتها اليومية على منصات مثل يوتيوب وتيك توك. على الرغم من أن هذه الظاهرة قد توفر مصدر دخل لبعض الأسر، إلا أنها تثير مخاوف جدية بشأن خصوصية الأطفال واستغلالهم، وتعرضهم للتدقيق العام. في المجتمع المصري، حيث قيمة الستر متأصلة، يطرح التدوين المرئي العائلي تساؤلات حول التوازن بين الرغبة في المشاركة الرقمية والحفاظ على القيم الثقافية.

“جروبات الماميز” في مصر: قوة اجتماعية واقتصادية غير مرئية
بدأت “جروبات الماميز” كتجمعات افتراضية على فيسبوك وواتساب، تهدف إلى تبادل الخبرات والنصائح بين الأمهات حول تربية الأطفال، التعليم، والصحة. ومع تزايد أعداد العضوات وتنوع اهتماماتهن، تطورت هذه الجروبات لتصبح شبكات اجتماعية قوية، قادرة على التأثير في الرأي العام واتخاذ القرارات على مستويات مختلفة.

توفر “جروبات الماميز” مساحة آمنة للأمهات لتبادل الخبرات والتجارب، وتقديم الدعم النفسي والمعنوي لبعضهن البعض. في مجتمع قد تفتقر فيه بعض الأمهات إلى شبكات دعم قوية في الحياة الواقعية، أصبحت هذه الجروبات ملاذًا للتعبير عن التحديات اليومية وإيجاد الحلول المشتركة. كما أنها تساهم في بناء مجتمعات افتراضية قائمة على الثقة المتبادلة والاهتمامات المشتركة.

تجاوزت “جروبات الماميز” دورها الاجتماعي لتصبح منصات اقتصادية غير رسمية مزدهرة. يتم فيها الترويج للمنتجات والخدمات، وتبادل السلع المستعملة، وحتى تنظيم حملات شراء جماعية. تعتمد هذه الأنشطة على قوة التسويق الشفهي والثقة بين العضوات، مما يجعلها قنوات فعالة للتجارة غير الرسمية. كما أن توصيات الأمهات داخل هذه الجروبات تؤثر بشكل كبير على القرارات الاستهلاكية للأسر، من اختيار المدارس إلى شراء المنتجات المنزلية.

في بعض الحالات، تحولت “جروبات الماميز” إلى قوة ضغط اجتماعي، قادرة على التأثير في القرارات الرسمية، خاصة في قطاع التعليم. فقد شهدت مصر حالات تدخلت فيها هذه الجروبات للضغط على إدارات المدارس أو حتى وزارة التربية والتعليم بشأن قضايا تتعلق بالمصروفات، المناهج، أو سلوكيات المعلمين. هذا الدور يبرز “جروبات الماميز” كسلطة اجتماعية بديلة، تمارس رقابة غير رسمية وتساهم في تشكيل السياسات العامة.

مع انتشار منصات مثل يوتيوب وتيك توك، أصبحت بعض الأسر المصرية تشارك تفاصيل حياتها اليومية بشكل علني من خلال التدوين المرئي العائلي. يتضمن ذلك عرض وجوه الأطفال، تفاصيل منازلهم، وحتى لحظاتهم الشخصية والعائلية الحميمة. هذا النمط من المشاركة يتعارض بشكل مباشر مع مفهوم “الستر” التقليدي، حيث يتم كشف ما كان يُعتبر خاصًا ومحميًا للعلن.

يواجه التدوين المرئي العائلي تحديات أخلاقية واجتماعية كبيرة. فمن أبرز هذه التحديات انتهاك خصوصية الأطفال، حيث لا يمتلك الأطفال القدرة على إعطاء موافقة مستنيرة على نشر صورهم وفيديوهاتهم، مما يعرضهم لمخاطر محتملة مثل الاستغلال أو التنمر الإلكتروني. كما أن الضغط الاجتماعي لتحقيق المشاهدات والتفاعل قد يدفع الأسر إلى عرض المزيد من التفاصيل الشخصية، مما يؤدي إلى تناقض صارخ مع قيم الستر والحفاظ على الخصوصية. هذا التناقض يثير قلقًا متزايدًا في المجتمع المصري حول مستقبل هذه القيم في ظل العصر الرقمي.

يمكن أن يكون للتدوين المرئي العائلي آثار نفسية واجتماعية سلبية على أفراد الأسرة، وخاصة الأطفال. فقد يشعر الأطفال الذين تُعرض حياتهم باستمرار على الإنترنت بفقدان الخصوصية، أو قد يواجهون صعوبة في التمييز بين حياتهم العامة والخاصة. كما أنهم قد يتعرضون للتنمر أو الانتقاد بسبب محتوى يتم نشره دون موافقتهم، مما يؤثر على صحتهم النفسية وتكوين شخصيتهم.

للتوفيق بين الاستفادة من التمكين الرقمي والحفاظ على القيم الثقافية، يجب تبني آليات فعالة للحفاظ على الخصوصية. يمكن أن يشمل ذلك وضع إرشادات واضحة لمشاركة المحتوى الرقمي، وتوعية الأسر بأهمية حماية بياناتهم وصورهم الشخصية. كما يجب على منصات التواصل الاجتماعي توفير أدوات تحكم أفضل في الخصوصية، وتطبيق سياسات صارمة لحماية الأطفال.

وتلعب التوعية الرقمية دورًا حاسمًا في تعزيز مفهوم “الستر” الواعي في العصر الرقمي. يجب أن تركز حملات التوعية على تعليم الأفراد، وخاصة الأمهات، كيفية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بمسؤولية، وفهم المخاطر المرتبطة بمشاركة المعلومات الشخصية. كما يجب أن تشجع على التفكير النقدي في المحتوى الذي يتم استهلاكه وإنتاجه، وتعزيز ثقافة احترام الخصوصية.

يتطلب حماية الأسرة في الفضاء الرقمي وضع سياسات اجتماعية وقانونية واضحة. يمكن أن تشمل هذه السياسات قوانين لحماية بيانات الأطفال، وتجريم استغلالهم في المحتوى الرقمي. كما يجب على المؤسسات التعليمية والاجتماعية تطوير برامج توعية تستهدف الأسر، وتقديم الدعم النفسي والقانوني للأسر التي تواجه تحديات تتعلق بالخصوصية الرقمية.

الخلاصة أن “جروبات الماميز” في مصر قد تطورت لتصبح قوة اجتماعية واقتصادية غير مرئية، تمارس تأثيرًا كبيرًا على القرارات الأسرية والمجتمعية. في الوقت نفسه، يواجه مفهوم “الستر”، وهو قيمة ثقافية عميقة، تحديات غير مسبوقة في ظل انتشار التدوين المرئي العائلي. إن التوفيق بين التمكين الرقمي والحفاظ على هذه القيم يتطلب نهجًا متعدد الأوجه يشمل التوعية، وضع السياسات، وتعزيز المسؤولية الفردية والمجتمعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى