المقالات

هل تصنع السينما وعي المجتمعات.. أم تعيد تشكيل عقولنا دون أن نشعر؟

هل تصنع السينما وعي المجتمعات.. أم تعيد تشكيل عقولنا دون أن نشعر؟

بين سينما الأمس وبريق الحاضر.. هل تطورت الرسالة بقدر ما تطورت الصورة؟

بقلم: م/ فاطمة محمود خميس

لم تكن السينما يومًا مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت ولا تزال إحدى القوى الناعمة القادرة على تشكيل وعي المجتمعات، والتأثير في سلوك الأفراد، وإعادة صياغة مفاهيمهم عن الحياة. فكم من مشهد ترك أثرًا في عقولنا، وكم من شخصية سينمائية تحولت إلى نموذج يحتذى به، دون أن ندرك حجم التأثير الذي تتركه الشاشة في واقعنا.

وإذا عدنا بالذاكرة إلى كثير من أعمال السينما المصرية القديمة، سنجد أنها رغم محدودية الإمكانيات التقنية، استطاعت تقديم رسائل إنسانية واجتماعية عميقة، فتناولت قضايا الأسرة والعدل والكرامة واحترام الآخر، وجعلت من المبادئ والأخلاق جزءًا أصيلًا من الحكاية، دون أن تفقد قدرتها على الإمتاع أو النقد.

ولعل فيلم «أفواه وأرانب» أحد أبرز الأمثلة على قدرة السينما في التأثير على الوعي المجتمعي؛ إذ لم يكتفِ بتقديم حكاية درامية، بل تناول قضية الزيادة السكانية وتداعياتها على الأسرة، وسلّط الضوء على خطورة الإنجاب غير المسؤول في ظل محدودية الموارد، إلى جانب مناقشة حق المرأة في اختيار شريك حياتها ورفض الزواج القائم على المصلحة. وقد نجح العمل في طرح هذه القضايا بأسلوب إنساني قريب من الجمهور، ليؤكد أن السينما قادرة على مناقشة الموروثات الاجتماعية، وفتح باب التفكير في قضايا قد يعتاد المجتمع التعامل معها باعتبارها أمرًا طبيعيًا.

أما اليوم، فقد أصبحت السينما تمتلك أدوات لم تكن متاحة من قبل، من تقنيات التصوير والمؤثرات البصرية إلى إمكانيات الإنتاج الهائلة. ومع ذلك، يبرز تساؤل يستحق التوقف: هل تطورت الرسالة بالقدر نفسه الذي تطورت به الصورة؟

فبعض الأعمال المعاصرة باتت تعتمد على العنف والألفاظ الخارجة وتقديم السلوكيات السلبية باعتبارها عناصر للجذب والنجاح الجماهيري، حتى أصبحنا أحيانًا أمام شخصيات تُقدَّم بوصفها نماذج للقوة والبطولة، رغم افتقارها إلى أبسط المبادئ الإنسانية.

ومن وجهة نظري، لا تكمن المشكلة في جرأة السينما على مناقشة الواقع، بل في الطريقة التي تقدمه بها؛ فهناك فارق كبير بين أن تكشف الشاشة خللًا مجتمعيًا لتناقشه، وأن تحوّله إلى سلوك مألوف يستحق التقليد.

ولا يعني ذلك أن الماضي كان مثاليًا، أو أن السينما الحديثة خالية من الأعمال الهادفة؛ فالإبداع لا يرتبط بزمن بعينه، كما أن احترام قيم المجتمع لا يعني تقييد حرية الفن أو تجميل الواقع وإخفاء عيوبه.

لكننا بحاجة إلى استعادة التوازن بين حرية الإبداع والمسؤولية المجتمعية؛ فالسينما لا تعكس واقع المجتمع فحسب، بل قد تسهم في تشكيل مستقبله، خاصة حين تتحول مشاهدها إلى لغة نتداولها، أو سلوك نقلده، أو أفكار تتسلل تدريجيًا إلى وعينا.

كيف ننقذ السينما من تراجع رسالتها؟

ربما لا يكمن الحل في العودة إلى سينما الماضي، بل في استعادة قدرتها على التأثير بأدوات الحاضر وإمكاناته. ومن وجهة نظري، نحن بحاجة إلى تغيير مفهوم النجاح السينمائي، فلا تصبح الإيرادات المقياس الوحيد لقيمة العمل، بل ما يتركه من أثر فكري وإنساني في الجمهور.

ويبدأ ذلك بدعم السيناريوهات التي تناقش قضايا المجتمع بوعي، وإبراز شخصيات تتحلى بالأخلاق والمبادئ لتصبح قدوة إيجابية، فالبطولة لا ينبغي أن ترتبط بالعنف أو تجاوز القيم، بل يمكن أن يصنعها الموقف النبيل والشخصية صاحبة المبدأ.

كما يمكن تشجيع المواهب الشابة، وإطلاق جوائز للأعمال الأكثر تأثيرًا في الوعي المجتمعي، وتعزيز ثقافة النقد الفني ليصبح الجمهور شريكًا في الارتقاء بالمحتوى.

فالسينما لا تحتاج إلى مزيد من القيود بقدر ما تحتاج إلى أفكار تستحق أن تُروى، ومبدعين يدركون أن النجاح الحقيقي ليس في عدد من شاهدوا الفيلم، بل في عدد من أعادوا التفكير بعد مشاهدته.

فالسينما الحقيقية ليست تلك التي تنجح في جذب أعين المشاهدين فحسب، بل التي تترك في عقولهم ما يستحق البقاء.

ويبقى السؤال: إذا كانت السينما قادرة على إعادة تشكيل وعينا، أفلا يجدر بنا أن نتساءل عن نوع الوعي الذي نصنعه للأجيال القادمة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى