لعبة الترابيز في السياسة عندما تصبح المناورة عقيدة بقاء

لعبة الترابيز في السياسة عندما تصبح المناورة عقيدة بقاء
كتب/ايهاب محمود
في سيرك السياسة الدولية والمحلية لم تعد القواعد القديمة لإدارة الصراع كافية لضمان الاستقرار أو فرض النفوذ بل أصبحت إدارة الأزمات تتطلب مهارة استثنائية تشبه إلى حد كبير أداء لاعبي الأكروبات على أرجوحة الترابيز المعلقة في الهواء حيث الخطأ الواحد لا يعني الخسارة الفائتة بل السقوط الحر نحو الهاوية
تعتمد سياسة الترابيز في جوهرها على التوازن الحرج بين قوى متناقضة والمناورة بين تحالفات متصارعة دون التفريط بالكامل في طرف لصالح آخر إنها فن القفز المنسق في اللحظة المناسبة تماما من مقبض سياسي إلى آخر مع الامتناع عن تقديم التزامات مطلقة تجعل الفاعل السياسي رهينة لمعسكر واحد
تتجلى هذه اللعبة في أبهى صورها على صعيد العلاقات الدولية حين تجد القوى الإقليمية والدولية المتوسطة نفسها مطالبة بالصمود وسط استقطاب حاد بين أقطاب عالمية متنافسة فيصبح الخيار الأمثل هو بناء شبكة معقدة من المصالح المتقاطعة تتيح الحفاظ على مسافة أمان متساوية من الجميع واستثمار التناقضات الدولية لتحقيق المكاسب الوطنية
تتطلب هذه الاستراتيجية ثلاثة عناصر رئيسية لا غنى عنها أولها التوقيت الحاسم إذ إن التردد في إبرام الاتفاقات أو تغيير الموقف قد يؤدي إلى الفراغ وثانيها مرونة الأداء التي تسمح باستيعاب الضغوط وتغيير المسار دون الانهيار وثالثها وجود شبكات أمان خلفية تتمثل في التنوع الاقتصادي والتحالفات البديلة لضمان عدم السقوط عند اهتزاز المقابض الرئيسية
يبقى الشاهد الأبرز في هذا المشهد أن لعبة الترابيز ليست خيارا رفاهيا بل هي عقيدة بقاء في عالم شديد الاضطراب حيث لم تعد القوة العسكرية أو النفوذ التقليدي وحدهما كافيين لحماية المصالح وإنما خفة الحركة القدرة على المناورة والمحافظة على التوازن فوق حبال السياسة المشدودة





