المقالات

تحول المؤسسات إلى مقابر للكفاءات: صدمة “العصابات الإدارية” التي تبتلع الأوطان… وتنهش قدسية العمل الخيري

تحول المؤسسات إلى مقابر للكفاءات: صدمة “العصابات الإدارية” التي تبتلع الأوطان… وتنهش قدسية العمل الخيري

بقلم: م. إميل ن. عجبان

في البدء، كانت الرؤى العظيمة تُبنى على أكتاف الرجال، وتُصاغ المؤسسات لتكون قلاعاً للحضارة، ومحركات للتقدم. ولكن، هل تأملنا يوماً كيف تتحول هذه القلاع الشاهقة إلى أطلال، وتلك المحركات الجبارة إلى خردة صدئة؟ إنها ليست زلازل اقتصادية عابرة، ولا عواصف سوقية هوجاء، بل هي “صدمة” داخلية، زلزال صامت يضرب أركان الكيان، ويُحدثه “العصابات الإدارية” التي لا ترحم، ولا تبقي، ولا تذر.

لقد صدق من قال: “إذا وجدت أن الطريق إلى النجاح يمر عبر الانضمام إلى مجموعة معينة، وليس عبر تطوير أدائك… فالمشكلة ليست فيك، بل في ثقافة العمل التي سمحت بأن تحل الولاءات محل الكفاءات.” هذه ليست مجرد كلمات، بل هي صرخة مدوية في وجه واقع مرير، حيث تُوأد الطموحات، وتُهدر الطاقات، وتُدفن الكفاءات تحت أنقاض “الشللية” المقيتة.

الشلّة، في بدايتها، قد تكون مجرد تجمع اجتماعي بريء، ولكنها سرعان ما تتحول إلى ورم خبيث، إلى “عصابة إدارية” متكاملة الأركان، عندما تتجاوز حدود العلاقات الإنسانية لتتحكم في شرايين المؤسسة: الفرص، القرارات، والمصالح. هذه العصابات لا تكتفي بالاستحواذ على المغانم، بل تمارس “إبادة منظمة” لكل من يهدد وجودها أو يكشف زيفها. إنها تبني جدراناً من الخوف والصمت، وتُخضع الجميع لمنطقها الأعوج، حيث الولاء الأعمى هو العملة الوحيدة الرائجة، والكفاءة هي تهمة تستوجب الإقصاء.

ولكن الكارثة الكبرى تتجلى عندما تتسلل هذه “العصابات الإدارية” إلى حصون العمل الخيري، إلى تلك المؤسسات غير الحكومية التي تحمل على عاتقها أمانة مساعدة الضعفاء والمحتاجين. هنا، لا يقتصر الأمر على تدمير الكفاءات وإهدار الموارد، بل يتعداه إلى “تدنيس” قدسية العمل الإنساني، وتحويله إلى غطاء لموبقات إدارية ومالية لا حصر لها. فكم من تبرع شريف تبخر في جيوب الفاسدين، وكم من صرخة مستغيث لم تجد آذاناً صاغية، لأن “العصابة” كانت مشغولة بتقاسم الكعكة، أو بتمرير صفقات مشبوهة تحت جنح الظلام، مستغلةً غياب الرقابة الفعالة، وهالة “العمل الخيري” التي تحيط بها.

لننظر إلى فضيحة “ديزل جيت” التي عصفت بشركة فولكس فاجن الألمانية العملاقة. لم تكن مجرد خطأ فني، بل كانت نتيجة لثقافة مؤسسية مسمومة، حيث “ثقافة الخوف” و”الولاء الأعمى” للقيادة العليا أدت إلى تواطؤ ممنهج في التلاعب بنتائج اختبارات الانبعاثات.
مهندسون وخبراء، كان من المفترض أن يكونوا حراس الجودة والنزاهة، وجدوا أنفسهم مجبرين على الانصياع لأوامر “العصابة الإدارية” التي فضلت الأرباح السريعة على السمعة والمبادئ. النتيجة كانت كارثية: مليارات الدولارات غرامات، تدمير للسمعة، وفقدان للثقة لا يزال صداه يتردد حتى اليوم. لم تكن المشكلة في غياب اللوائح، بل في تحولها إلى مجرد أوراق يُعبث بها تحت وطأة “الولاءات” التي فاقت كل اعتبار.

أما نوكيا، تلك الإمبراطورية الفنلندية التي حكمت عرش الهواتف المحمولة لعقود، فلم تسقط بفعل منافسة خارجية فحسب، بل بسبب “عصابات إدارية” داخلية، وثقافة “الخوف” التي خنقت الابتكار وأسكتت الأصوات الناقدة.
لقد أظهرت الأبحاث أن المديرين المتوسطين كانوا يخشون إبلاغ الإدارة العليا بالحقائق المرة حول تأخر الشركة في مواكبة ثورة الهواتف الذكية، خوفاً من فقدان مناصبهم أو موارد فرقهم. كانت المعلومات تُفلتر، وتُجمل، وتُقدم بصورة وردية لا تعكس الواقع، حتى أصبحت القيادة العليا تعيش في برج عاجي، بعيدة عن حقيقة ما يجري في السوق.
هذه “العصابة الإدارية” الصامتة، التي فضلت الحفاظ على الوضع الراهن ومصالحها الشخصية، حكمت على إمبراطورية نوكيا بالزوال، تاركة وراءها درساً قاسياً في أن الخوف والولاءات الزائفة هما أشد فتكاً من أي منافس خارجي.

ولا ننسى انهيار “ليمان براذرز”، الذي لم يكن مجرد إفلاس بنكي، بل كان زلزالاً هز الاقتصاد العالمي.
هنا، تجلت “العصابة الإدارية” في أبهى صورها، حيث تلاعب كبار المديرين التنفيذيين بالمخاطر، وراهنوا على أصول مالية سامة، مدفوعين بجشع لا حدود له، وبثقافة “المكافآت” التي كانت تشجع على المخاطرة الجنونية دون حسيب أو رقيب.
كانت اللوائح موجودة، ولكنها كانت تُفسر وتُطوع لخدمة مصالح هذه “العصابة”، التي كانت ترى في المؤسسة بقرة حلوباً لا تنضب، حتى جفت ضرعها وانهارت على رؤوس الجميع.

ولكن الصدمة الحقيقية تكمن في تلك المؤسسات التي تتستر خلف شعارات النبل والإنسانية، وهي في حقيقتها أوكار لـ”العصابات الإدارية”. فكم من منظمة غير حكومية، أو جمعية خيرية، تحولت إلى “إقطاعية” خاصة، تُدار بمنطق “العائلة” أو “الشلّة”، حيث تُعين الأقارب والأتباع في المناصب الحساسة، بغض النظر عن كفاءاتهم؟ وكم من تبرع شريف، كان من المفترض أن يذهب لإغاثة ملهوف أو تعليم جاهل، تبخر في جيوب الفاسدين، أو استُخدم لتمويل رفاهية “قادة” هذه العصابات؟

فضيحة “أوكسفام” في هايتي، حيث تورط موظفون في استغلال جنسي لضحايا الزلزال، ليست سوى غيض من فيض.
هذه الفضيحة كشفت عن غياب مريع للرقابة، وتواطؤ إداري، واستغلال بشع للسلطة تحت غطاء العمل الإنساني. إنها تبرهن أن “العصابات الإدارية” لا تفرق بين مؤسسة ربحية أو خيرية، فهدفها واحد:
الاستحواذ على المصالح، وتغييب الشفافية، والتحكم في الموارد، حتى لو كان الثمن هو تدنيس أقدس القيم الإنسانية.

وفي عالمنا العربي، تتجلى هذه الظاهرة بأشكال أكثر قسوة وألماً. فكم من مشروع خيري تعثر، وكم من مبادرة إنسانية تبددت، ليس لغياب التمويل أو الرؤية، بل لأن “العصابة الإدارية” رأت فيها تهديداً لمصالحها،
أو فرصة للاستحواذ عليها وتوجيهها لخدمة أجنداتها الخاصة؟
إن غياب الشفافية، وتغييب المساءلة، وتفشي المحسوبية والواسطة، كلها عوامل تخلق بيئة خصبة لنمو هذه “العصابات”. وعندما يصبح الولاء للأشخاص أهم من الولاء للوطن والمؤسسة، تتحول المؤسسات إلى مجرد هياكل فارغة، بلا روح، بلا إبداع، بلا مستقبل.
إنها “مقابر للكفاءات”، تُدفن فيها أحلام الشباب، وتُهدر فيها ثروات الأوطان، وتُخنق فيها كل محاولة للنهوض.

وفي خضم هذا العبث، يبقى “متلقي الخدمات” هو الشاهد الصامت والضحية الكبرى. فالمريض الذي لا يجد الدواء، واليتيم الذي لا يجد الكفالة، والفقير الذي لا يجد العون، كلهم يدفعون ثمن فساد هذه “العصابات الإدارية”. إنهم يسألون، وبصمتهم المدوي، عن مصير المساعدات، وعن جدوى التبرعات، وعن قيمة الشعارات الإنسانية التي ترفعها هذه المؤسسات، ناهيك عن المساومات الاخلاقية للحصول على المساعدة او التبرع كرة الثلج الغير مرئية التى تتنامى رويدا رويدا.
سؤالهم هذا، وإن لم يُنطق، فهو “بيان إدانة” صريح، يطالب بـ”صدمة” حقيقية تعيد للعمل الخيري قدسيته، وللمؤسسات نزاهتها، صمتهم مرعب ليس من ربهم ولكن من قطع اعاناتهم اذا فكر ا فقط فى التفوه والشكوي.

 

لقد آن الأوان لـ”صدمة” حقيقية، لثورة إدارية لا تبقي ولا تذر.
صدمة تعيد الاعتبار للوائح كـ”دستور” لا يُمس، وللكفاءة كـ”معيار” لا يُساوم عليه، وللعدالة كـ”قيمة” عليا لا تُقهر.
يجب أن تُكسر قيود “العصابات الإدارية”، وتُفضح ممارساتها، ويُحاسب كل من يضع مصالحه الشخصية فوق مصلحة الوطن والمؤسسة والإنسان.

إن مستقبل أجيالنا، ونهضة أوطاننا، وكرامة إنسانيتنا، مرهون بقدرتنا على اجتثاث هذا الداء من جذوره. لنجعل من مؤسساتنا قلاعاً للكفاءة، ومحاضن للإبداع، ومنابر للعدالة، لا مقابر تُدفن فيها الأحلام، ولا أوكار تُدنس فيها القيم. فالأوطان لا تنهض إلا بمؤسسات قوية، ومؤسسات قوية لا تُبنى إلا على أكتاف الكفاءات، لا على ولاءات “العصابات الإدارية” التي تبتلع كل شيء وتترك وراءها الخراب، وتنهش قدسية العمل الخيري.

استكمالا فى المقال القادم نضع سويآ خارطة طريق للمساعدة فى ايجاد حلول حقيقية وتشريعات حقيقية تمنع وتجرم مثل هذه الموبقات التى يندي لها الجبين لان التجاوزات اصبحت علنية على وسائل التواصل الاجتماعي سواء استعراضات طبقية او تكريمات مشبوهة او صناديق سوداء تدخل بها الاموال ولا يتم تسجيلها ولا قيدها فى الدفاتر لتصبح نهبٱ للعصابات الادارية والسمسرة تحت ستار الخير والرياء المؤسسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى