المقالات

الوحدة وسط الزحام

الوحدة وسط الزحام
كتب /أ أيمن مدحت فرغلي
استشاري نفسي ومتخصص علاج الإدمان

في حياة كثير من الناس مشاهد متكررة لا يلاحظها أحد شخص يجلس وسط مجموعة يبتسم يشارك في الحديث يبدو طبيعيا جدا لكن داخله عالم آخر مليء بالصمت والوجع لا يسمعه أحد ولا يشعر به أحد وكأن هذا الإنسان يعيش حياتين واحدة يراها الناس والأخرى يعيشها وحده في صمت

أتذكر شابا جاء إلي في إحدى الجلسات كان هادئا بشكل لافت ينظر حوله كثيرا وكأنه غير موجود تماما في المكان تحدث بصوت منخفض وقال أنا عندي أصحاب كتير جدا طول الوقت حواليا ناس لكن لما بروح البيت بحس إني تايه ومفيش حد معايا ولا حد فاهمني

لم تكن مشكلته في عدد الناس حوله بل في غياب الشعور الحقيقي بالاحتواء كان يضحك معهم يخرج يقضي وقته لكنه في كل مرة يعود إلى نفسه يشعر بفراغ كبير كأنه يسقط في مساحة واسعة بلا نهاية

هذا النوع من الألم لا يظهر بسهولة لا يطلب المساعدة بصوت عال بل يختبئ خلف كلمة أنا تمام خلف ابتسامة سريعة خلف مشاركة عابرة في حديث لا يعني شيئا بالنسبة له

الوجع الداخلي لا يحتاج سببا واضحا أحيانا يكون نتيجة تراكمات سنوات من مشاعر لم يتم التعبير عنها من مواقف تم تجاوزها دون فهم من علاقات لم تمنح الإنسان حقه في الشعور بالأمان

ومع الوقت يتعلم الإنسان كيف يخفي كيف يتأقلم كيف يؤدي دوره أمام الآخرين دون أن يكشف ما بداخله يصبح بارعا في إقناع الجميع أنه بخير بينما هو في الحقيقة ينهار ببطء

الأخطر في هذا النوع من المعاناة أنه صامت لا يجذب الانتباه لا يثير القلق لدى الآخرين لأن صاحبه يبدو متماسكا قويا قادرا على الاستمرار

لكن الحقيقة مختلفة تماما فكل يوم يمر عليه وهو يحمل هذا الصمت هو معركة جديدة مع أفكار لا تهدأ مع شعور مستمر بعدم الانتماء مع إحساس ثقيل بأنه غير مرئي

الوحدة وسط الناس من أقسى التجارب التي قد يمر بها الإنسان لأنها تخلق داخله تناقضا مؤلما بين ما يعيشه في الخارج وما يشعر به في الداخل

هذا التناقض يجعله يشك في نفسه في مشاعره في قدرته على التواصل في قيمته عند الآخرين وربما يدفعه إلى الانسحاب أكثر والابتعاد دون أن يلاحظ أحد

الشاب الذي تحدثت عنه لم يكن يحتاج إلى نصائح معقدة بقدر ما كان يحتاج إلى مساحة آمنة يشعر فيها أنه مسموع دون حكم مفهوم دون محاولة إصلاح سريعة

ومع الوقت ومع السماح لنفسه بالتعبير بدأ يكتشف أن مشكلته لم تكن في الآخرين فقط بل في خوفه من أن يظهر ضعفه في اعتقاده أن طلب الدعم قد يقلل منه

وهنا تأتي الحقيقة التي نحتاج جميعا أن نتذكرها أن الشعور بالألم ليس ضعفا وأن الاحتياج للآخرين ليس عيبا وأن الإنسان بطبيعته لا يستطيع أن يعيش وحيدا حتى لو كان محاطا بالجميع

نحن لا نحتاج فقط إلى من يتحدث معنا بل إلى من يشعر بنا إلى من يرانا على حقيقتنا دون أقنعة دون أدوار

وإذا كنت واحدا ممن يعيشون هذا الصمت فربما تكون البداية بسيطة جدا أن تعترف لنفسك أنك لست بخير أن تسمح لنفسك أن تشعر دون إنكار أن تمنح نفسك فرصة للتعبير حتى لو بكلمات قليلة

قد لا تجد من يفهمك بسهولة لكن هذا لا يعني أنهم غير موجودين بل يعني فقط أنك لم تصل إليهم بعد

التعبير عن الألم لا يلغيه تماما لكنه يجعله أخف احتمالا يجعل الإنسان أقل وحدة وأكثر قدرة على الاستمرار

وفي النهاية تذكر أن الهدوء الذي تعيشه لا يعني أنك بخير وأن ابتسامتك لا تلغي ما بداخلك وأنك تستحق أن يتم الاستماع إليك كما تستمع للآخرين

قد تكون محاطا بالكثير من الناس لكن هذا لا يعني أنك يجب أن تعيش وحدك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى