كيف لعب الذكاء الاصطناعي الدور الرئيسي في اعادة تشكيل الصراع الأمريكي-الإسرائيلي مع إيران (من الاستهداف إلى مفاوضات باكستان)

كيف لعب الذكاء الاصطناعي الدور الرئيسي في اعادة تشكيل الصراع الأمريكي-الإسرائيلي مع إيران (من الاستهداف إلى مفاوضات باكستان)
كتب / م. إميل ن. عجبان
لم تكن الحرب الأخيرة بين التحالف الأمريكي الإسرائيلي وإيران مجرد صراع تقليدي بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بل كانت أول حرب واسعة النطاق تُدار فعلياً بواسطة الذكاء الاصطناعي (AI). لقد تحول الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى “عقل” العمليات العسكرية والاستخباراتية، بل وحتى الدبلوماسية. في هذا التحليل، أفصّل دور هذه التقنيات على مراحل الصراع، من التحضير له، مروراً بالقتال، وصولاً إلى طاولة المفاوضات في باكستان.
أولاً: مرحلة ما قبل الحرب – العين الإلكترونية التي لا تنام
قبل اندلاع الاشتباك المباشر، كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي تعمل بصمت على مستويين:
1. الاستخبارات التنبؤية (Predictive Intelligence): استخدمت وكالة المخابرات المركزية (CIA) ووكالة الأمن القومي (NSA) أنظمة تحليل تنبؤي قائمة على التعلم الآلي لرصد “الإشارات الضعيفة” التي تسبق الهجمات الإيرانية. هذه الأنظمة، مثل نظام “سكاي نت” (Skynet) المُحدّث (لا علاقة له بخيال Terminator)، كانت تحلل أنماط اتصالات الحرس الثوري الإيراني، حركة السفن في الخليج، وحتى منشورات القادة الإيرانيين على وسائل التواصل الاجتماعي لتوقع توقيت ومكان الضربة القادمة. هذا ما سمح للبنتاغون بإخلاء قاعدة عين الأسد قبل ساعات من الهجوم الإيراني في الموجة الأولى، مما قلل الخسائر البشرية إلى الصفر تقريباً.
2. رسم الخريطة العصبية للعدو (Neural Mapping of the Enemy): قامت إسرائيل، بالتعاون مع شركات أمريكية مثل بلانتير (Palantir)، ببناء “توأم رقمي” (Digital Twin) للبنية التحتية الإيرانية. هذا النموذج الرقمي ثلاثي الأبعاد، المُغذّى بصور الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة، استخدم خوارزميات الرؤية الحاسوبية لتحديد ليس فقط المواقع العسكرية، بل أيضاً نقاط الضعف الحرجة مثل محولات الكهرباء التي تخدم مفاعل نطنز، أو الطرق المؤدية إلى منشآت الصواريخ تحت الأرض. لم تكن القائمة مجرد أهداف، بل كانت “وصفة جراحية” لتدميرها بأقل جهد.
ثانياً: ساحة المعركة – عصر الاستهداف “فائق السرعة”
عندما تحول الصراع إلى مواجهة مفتوحة، تجلى الدور الحقيقي للذكاء الاصطناعي:
أ. من جانب التحالف (أمريكا وإسرائيل):
· نظام “هابسورا” (Habsora) – “The Trough”: طورته وحدة 8200 الإسرائيلية، هذا النظام يعمل كـ “شبكة صيد”. في اللحظة التي تُؤمر فيها بضرب إيران، يقوم “هابسورا” تلقائياً بتحليل صور الأقمار الصناعية الجديدة، مقارنتها بالخرائط القديمة، واكتشاف أي تغيير (مثل سيارة غريبة بجانب مفاعل، أو فوهة صاروخ جديدة). ثم يصنف هذه التغييرات إلى “أهداف متحركة” و”أهداف ثابتة”. خلال حرب الأيام الثلاثة الأولى، يُقدر أنه استهدف أكثر من 1000 موقع في أقل من 24 ساعة، وهو رقم كان يحتاج لأسابيع من التحليل البشري.
· نظام “لافندر” (Lavender): كان هذا النظام هو الأكثر جدلاً. صُمم “لافندر” لتحديد الأفراد المستهدفين (قادة فيلق القدس، ووكلاء إيران في سوريا واليمن). يقوم بتحليل بيانات هائلة عن حركة الشخص، علاقاته، أنماط شرائه، وحتى محادثاته (المُخترقة). ينتج عنه قائمة تضم 250 شخصية رئيسية، ويُعطي كل منهم “درجة تهديد”. القوات الخاصة كانت تنفذ الاغتيالات بناءً على هذه القوائم بدقة متناهية.
· مشروع “مايفن” (Maven) المُحدث: في نسخته الجديدة، لم يعد مايفن مجرد أداة لتحليل مقاطع الفيديو من الطائرات المسيّرة. تم دمجه مع أنظمة الأسلحة الذاتية. على سبيل المثال، الطائرة المسيّرة الانتحارية “هاروب” (Harop) الإسرائيلية، تستطيع طياراتها تحديد “منطقة بحث”، ثم يقرر الذكاء الاصطناعي (مايفن) أي هدف ضمن هذه المنطقة هو الأكثر قيمة (مثل رادار دفاع جوي مقابل مجرد شاحنة إمداد)، ويوجه المسيّرة لضربه دون تدخل بشري لحظي.
ب. من جانب إيران (الرد غير المتماثل):
· الحرب السيبرانية التكيفية (Adaptive Cyber Warfare): إيران، التي تدرك تفوق أمريكا التكنولوجي، لجأت إلى ما يسمى بـ “الذكاء الاصطناعي الضعيف” (Weak AI) لشن هجمات إلكترونية منخفضة التكلفة وعالية التأثير. أشهرها هجوم “Moses Staff”، حيث استخدمت خوارزميات تعلم آلي لاستغلال نقاط ضعف غير معروفة في أجهزة التوجيه (Routers) المنزلية في إسرائيل، ثم تحويل هذه الأجهزة إلى “روبوتات” (Botnet) لقصف المواقع الحكومية الإسرائيلية بهجمات حجب الخدمة (DDoS). الأهم، أن الذكاء الاصطناعي كان يغير نمط الهجوم كل ساعة لتجنب برامج الحماية.
· التزييف العميق (Deepfake) كسلاح نفسي: استخدم الحرس الثوري الإيراني نماذج ذكاء اصطناعي توليدي مفتوحة المصدر لإنشاء فيديوهات مزيفة (Deepfake) يُظهر فيها قادة أمريكيون (مثل الجنرال مارك ميلي) وهم يعترفون بالهزيمة أو يعلنون انسحاباً مفاجئاً. تم تداول هذه الفيديوهات بشكل واسع على “تليجرام” و”واتساب” في الأوساط العربية والإسلامية بهدف إضعاف الروح المعنوية للقوات الأمريكية وحلفائها الإقليميين. كما ابتكروا صوراً لفائقي الدقة (AI-generated) لطائرات مسيّرة إيرانية خارقة غير موجودة أصلاً، مما أجبر أجهزة استخبارات العدو على إنفاق وقت وجهد لدراسة تهديدات وهمية.
ثالثاً: تحديث الترسانة – التعلم من العدو
في خطوة تُظهر نضج استخدام الذكاء الاصطناعي، قامت القوات الأمريكية في الأيام الأولى للحرب بتحليل حطام المسيّرة الإيرانية “شاهد 136” (Shahed 136). باستخدام تقنيات الهندسة العكسية المعززة بالذكاء الاصطناعي، تمكنت من:
· فك تشفير خوارزمية الملاحة: لتحديد كيف تتجنب المسيّرة الإيرانية أنظمة التشويش.
· بناء طائرة “لوكاس” (LUCAS): وهي نسخة أمريكية مُقلدة من “شاهد”، لكنها أذكى. تم تطوير نظام استهداف مستنسخ من الذكاء الاصطناعي الإيراني، مما سمح لأمريكا بإغراق إيران بموجة من طائراتها المسيّرة الخاصة بها (ولكن مصنوعة في وايومنغ)، مما أرهق الدفاعات الجوية الإيرانية.
رابعاً: مفاوضات باكستان – الذكاء الاصطناعي على طاولة الدبلوماسية
عندما توسطت باكستان (وخصوصاً رئيس وزرائها الأسبق عمران خان في دور غير رسمي، ثم رئيس الوزراء الحالي) لوقف إطلاق النار، ظهر دور الذكاء الاصطناعي بشكل غير مسبوق:
1. “الهدنة المزيفة“: قبل أيام من الاتفاق، اتهم مسؤولون أمريكيون إيران بتقديم ثلاث نسخ مختلفة لاتفاق هدنة عبر وسيط باكستاني. النسخة الأولى كانت “جادة”، والثانية “متشددة للغاية”، والثالثة “غير منطقية”. التحليل اللغوي الحاسوبي (باستخدام أدوات مثل GPT-4 المعدلة) كشف أن النسخة الثالثة تحتوي على أنماط تركيب جمل متكررة وتكراراً في المفردات، مما جعل المحللين الأمريكيين يرجحون بشدة أنها مُولدة بالكامل بواسطة نموذج لغوي كبير (LLM). الغرض كان اختبار رد فعل أمريكا، أو خلق ارتباك في صفوف فريق التفاوض الأمريكي (من يصدق أي نسخة؟).
2. تحليل “لغة الجسد الرقمية“: في محادثات فيينا (التي سبقت الباكستانية) وأيضاً في إسلام أباد، استخدم الجانب الأمريكي برامج تحليل المشاعر المعززة بالذكاء الاصطناعي لتحليل تعابير وجه ونبرات صوت المفاوضين الإيرانيين (الذين تم تسجيلهم عبر كاميرات خفية). هذه البرامج أعطت تقييماً فورياً للمفاوضين الأمريكيين عن “درجة صدق” الالتزام الإيراني بالشروط، وعن “النقاط التي تسبب انزعاجاً نفسياً” للوفد الإيراني، مما أعطى أمريكا تكتيكاً تفاوضياً غير مسبوق.
خلاصة التحليل: الصراع القادم سيكون في “الفضاء المعرفي”
ما رأيناه في هذه الحرب ليس مجرد أسلحة أسرع، بل تغييراً في طبيعة القتال نفسه:
· من حرب الأسلحة إلى حرب الخوارزميات: الفائز ليس من لديه صاروخ أسرع، بل من لديه خوارزمية تتنبأ بمكان إطلاق الصارواح قبل حدوثه.
· الشفافية المعدومة: بتوليد فيديوهات مزيفة للطائرات المسيّرة أو خطط الهدنة، أصبح من المستحيل التمييز بين الحقيقة والدعاية، مما يشل قدرة الرأي العام العالمي على الحكم.
· الدبلوماسية الخوارزمية: حتى المفاوضات أصبحت ساحة حرب للمعلومات المضللة، حيث تستخدم أطراف النزاع أدوات الذكاء الاصطناعي لخداع بعضهم البعض قبل الجلوس إلى الطاولة.
باختصار، أثبتت هذه المواجهة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد “خياراً” في الحروب الحديثة، بل أصبح الرئة التي تتنفس بها القيادة العسكرية، والمخ الذي يخطط للضربات، والفم الذي يتحدث (ويكذب) في المفاوضات. ومن لا يمتلك هذه التقنيات، أو لا يفهم خوارزمياتها، سيكون أعمى في ساحة معركة المستقبل.





