الإدمان ليس بداية القصة… بل جذوره تمتد إلى الطفولة”

“الإدمان ليس بداية القصة… بل جذوره تمتد إلى الطفولة”
“لا علاج حقيقي دون فهم الجذور النفسية”
بقلم/. أيمن فرغلي
استشاري نفسي ومتخصص علاج الإدمان
يعمل على تقديم الدعم النفسي وبرامج التعافي لمساعدة الأفراد على استعادة توازنهم وبناء حياة صحية
لم يعد الإدمان مجرد سلوك منحرف أو ضعف إرادة كما كان يُنظر إليه في الماضي بل أصبح يُفهم اليوم باعتباره اضطرابًا نفسيًا معقدًا تتداخل فيه العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية
غير أن ما يغيب عن كثيرين هو أن البدايات الحقيقية لهذا الاضطراب تعود غالبًا إلى سنوات الطفولة الأولى حيث تتشكل ملامح الشخصية وتُزرع البذور الأولى للمشاعر
وإذا أردنا تبسيط الصورة يمكن تشبيه الإدمان بشجرة لا تنمو من فراغ بل تحتاج إلى تربة وجذور
فالتربة تمثل البيئة التي ينشأ فيها الطفل بما تحمله من تجارب بينما تمثل الجذور تلك المشاعر العميقة التي تتكون داخله نتيجة لهذه التجارب
الطفولة… المرحلة التي تُكتب فيها القصة
تُعد الطفولة المرحلة الأكثر حساسية في تشكيل البناء النفسي للإنسان
فالطفل لا يمتلك في هذه المرحلة القدرة على الفهم أو التفسير، بل يتلقى التجارب كما هي ويخزنها داخله لتتحول مع الوقت إلى معتقدات راسخة
وعندما يتعرض الطفل لبيئة غير آمنة أو لانتهاكات متكررة دون احتواء فإنه لا يدرك أن ما يحدث خطأ بل يبدأ في تفسير الأمر على أنه خلل فيه هو فيتكون لديه شعور عميق بعدم القيمة أو الاستحقاق
أشكال الانتهاكات… جروح لا تُرى
تتعدد صور الانتهاكات التي قد يتعرض لها الطفل وكل منها يترك أثرًا نفسيًا مختلفًا:
◾ الانتهاك العاطفي
مثل الإهانة أو التجاهل أو غياب الحب والاحتواء
وهذا النوع يُعد من أخطر الأنواع لأنه خفي لكنه يترك أثرًا عميقًا على تقدير الذات
◾ الانتهاك الجسدي
ويشمل الضرب أو التعنيف أو الإهمال في الاحتياجات الأساسية
وقد يزرع داخل الطفل خوفًا دائمًا ويُفقده الشعور بالأمان
◾ الانتهاك الجنسي
وهو من أشد أنواع الصدمات النفسية تأثيرًا حيث يترك آثارًا طويلة المدى غالبًا ما ترتبط بالخزي والذنب واضطراب الهوية
◾ الانتهاك الروحي
ويحدث عندما تُقدم مفاهيم دينية مشوهة قائمة على الخوف والعقاب مما يؤدي إلى صراع داخلي وفقدان الطمأنينة
الجذور النفسية للإدمان
نتيجة لهذه التجارب تتكون داخل الطفل مجموعة من المشاعر التي تمثل الجذور الحقيقية للإدمان من أبرزها:
الخوف المستمر نتيجة فقدان الأمان
الشعور بالخزي والعار
الإحساس بالذنب
الغضب المكبوت
الحزن المرتبط بالفقد
هذه المشاعر لا تختفي بمرور الوقت بل تظل كامنة وتؤثر على طريقة تفكير الفرد وسلوكه وعلاقاته
من الألم إلى الإدمان
مع التقدم في العمر يبدأ الفرد في البحث عن وسيلة للتعامل مع هذا الألم الداخلي
وفي كثير من الأحيان يكون التعاطي هو الطريق الأسرع للهروب
في البداية يمنح التعاطي شعورًا مؤقتًا بالراحة لكنه سرعان ما يتحول إلى اعتماد نفسي ثم إلى إدمان ليجد الإنسان نفسه في دائرة مغلقة يصعب الخروج منها
مؤشرات ودلالات
تشير الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من الأشخاص الذين يعانون من الإدمان قد تعرضوا لصدمات في الطفولة
كما أن من مروا بتجارب طفولة قاسية يكونون أكثر عرضة للإدمان بعدة أضعاف مقارنة بغيرهم
وهذا يعزز الفهم بأن الإدمان ليس مجرد اختيار بل نتيجة تراكمات نفسية لم يتم التعامل معها في الوقت المناسب
نموذج من الواقع الذي نعيشه
في كثير من الحالات الإكلينيكية نجد أن بداية التعاطي لم تكن بسبب الفضول فقط بل نتيجة شعور داخلي عميق بعدم الراحة
أحد النماذج المتكررة هو لشخص نشأ في بيئة قاسية تعرض فيها للإهانة المستمرة دون دعم أو احتواء فحمل داخله شعورًا دائمًا بالرفض
ومع مرور الوقت وجد في التعاطي وسيلة للهروب من هذا الشعور قبل أن يتحول ذلك إلى إدمان استمر لسنوات
ولم يبدأ التعافي الحقيقي إلا بعد مواجهة الجذور النفسية ومعالجتها
التعافي… رحلة إلى الداخل
التعافي الحقيقي لا يقتصر على التوقف عن التعاطي بل يتطلب فهمًا عميقًا للجذور النفسية والعمل على علاجها
ويشمل ذلك:
توفير بيئة علاجية آمنة
دعم نفسي متخصص
إعادة بناء الصورة الذاتية
تعلم طرق صحية للتعامل مع المشاعر
مسؤولية تبدأ من الأسرة
إذا كنا نطمح إلى الحد من انتشار الإدمان فلا بد أن نبدأ من الطفولة
من أسلوب التربية ومن طريقة تعاملنا مع الأطفال ومن قدرتنا على الاحتواء بدلًا من القسوة
فكل كلمة تترك أثرًا…
وكل تجربة تُسهم في تشكيل إنسان المستقبل
و في النهايه
الإدمان ليس بداية القصة… بل نتيجتها
أما البداية الحقيقية فغالبًا ما تكون في طفولة لم تجد من يحتويها
لكن الأمل يظل قائمًا…
فبالفهم والدعم والعلاج الصحيح يمكن إعادة بناء الإنسان من جديد وصناعة حياة أكثر وعيًا وتوازنًا





