Uncategorized
أخر الأخبار

متى يتحول الحب إلى استنزاف نفسي؟

بقلم: د/ برديس رزق
استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري والتربوي وعلاج الإدمان
في بداياته، يبدو الحب كأحد أنقى المشاعر الإنسانية؛ شعور يمنحنا الطمأنينة، ويغمرنا بالإحساس بالأمان والانتماء. نراه مساحة للراحة بعد عناء الحياة، وملاذًا دافئًا نحتمي به من قسوة العالم. لكن، ماذا يحدث عندما يتحول هذا الشعور ذاته إلى عبء؟ إلى علاقة تستنزف بدلاً من أن تحتويني؟
الحقيقة التي قد يصعب الاعتراف بها، أن ليس كل حب صحيا، وليس كل علاقة قائمة على المشاعر هي علاقة آمنة نفسيا. فهناك خيط رفيع يفصل بين الحب الذي يغذي الروح، والحب الذي يستهلكها ببطء.
يتحول الحب إلى استنزاف عندما يفقد توازنه. حين يصبح العطاء من طرف واحد، ويغيب التبادل الحقيقي للمشاعر والاهتمام. في هذه الحالة، يجد أحد الطرفين نفسه في موقع المانح دائمًا؛ يعطي دون أن يتلقى، يسامح دون أن يحتوى، ويصبر دون أن يقدر. ومع الوقت، يتحول هذا العطاء غير المتكافئ إلى عبء نفسي ثقيل.
ومن أخطر المؤشرات أيضًا، أن يبدأ الإنسان في تبرير الأذى. حين يتكرر التجاهل أو التقليل أو حتى الإيذاء العاطفي، لكننا نلجأ إلى إيجاد الأعذار للطرف الآخر، ليس لأننا مقتنعون بها، بل لأننا نخشى فقد العلاقة. وهنا، لا يصبح الألم هو المشكلة الأساسية، بل التكيف معه وكأنه أمر طبيعي.
كما يظهر الاستنزاف حين يفقد الإنسان ذاته داخل العلاقة. عندما يضطر إلى تغيير شخصيته، أو كبت مشاعره، أو التنازل المستمر عن احتياجاتها، فقط حتى تستمر العلاقة. في هذه اللحظة، لا يكون الحب مساحة للنمو، بل يصبح ساحة للذوبان وفقدان الهوية.
ولا يمكن تجاهل دور القلق المستمر كعلامة واضحة. فالعلاقة الصحية تمنح شعورا بالأمان، بينما العلاقة المستنزفة تخلق حالة دائمة من التوتر والتساؤل: هل أنا كاف؟ هل سيبقى؟ هل أخطأت؟ هذه الأسئلة التي لا تنتهي تستهلك طاقة الإنسان النفسية وتجعله في حالة استنزاف داخلي دائم.
ورغم كل ذلك، قد يجد البعض صعوبة في الانسحاب من هذه العلاقات. ليس لأنهم سعداء، بل لأن الخوف يلعب دوراً كبيرًا: الخوف من الوحدة، أو من البداية من جديد، أو حتى من مواجهة الحقيقة المؤلمة بأن ما يعيشونه ليس حبا صحيحا.
من منظور نفسي، قد يرتبط هذا التعلق بأنماط نشأنا عليها، أو بتجارب سابقة علمتنا أن الحب يجب أن يدفع ثمنه ألما. لكن النضج النفسي يبدأ حين ندرك أن الحب لا يجب أن يكون معاناة، ولا اختبار مستمراً قدرتنا على التحمل.
الحب الحقيقي لا يستنزف، بل يدعم. لا يرهق، بل يخفف. لا يضعنا في حالة شك دائم، بل يمنحنا الطمأنينة. هو علاقة تجعل الإنسان أكثر اتزانًا وقوة، لا أكثر قلقًا وتشتتًا.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا: هل هذه العلاقة تضيف إلى حياتي، أم تستهلكني؟
الإجابة الصادقة على هذا السؤال قد تكون بداية الطريق نحو التعافي، أو على الأقل نحو إعادة النظر في شكل الحب الذي نقبله في حياتنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى