اتفاقيات وأحداث سلام عالمية تزامنت مع رمضان

اتفاقيات وأحداث سلام عالمية تزامنت مع رمضان:
كتب م. إميل ن. عجبان
عندما يحل شهر رمضان المبارك، تتجه أنظار العالم الإسلامي نحو الداخل، في رحلة روحانية قوامها الصيام والعبادة والتأمل. غالبًا ما يرتبط هذا الشهر في الأذهان بالسكينة والهدوء، بعيدًا عن صخب السياسة وضجيج المعارك. لكن نظرة أعمق على صفحات التاريخ، الإسلامي والعالمي على حد سواء، تكشف عن مفارقة مثيرة للاهتمام: لقد كان رمضان، عبر مختلف العصور، مسرحًا لأحداث جسام لم تغير مصير المسلمين فحسب، بل رسمت ملامح جديدة على الخارطة الجيوسياسية العالمية.
ففي الوقت الذي كانت فيه أصوات المآذن ترتفع بالدعاء، كانت أقلام الدبلوماسيين توقع على معاهدات أنهت حروبًا استمرت لعقود. وبينما كان الصائمون يجتمعون على موائد الإفطار، كانت هناك صراعات تصل إلى نهايتها، لتفتح الباب أمام حقبة جديدة من السلام، سواء كان ذلك سلامًا مفروضًا بقوة السلاح كما في فيتنام، أو سلامًا تم التوصل إليه عبر مفاوضات شاقة كما في أيرلندا الشمالية.
هذه المقالة لا تستعرض الانتصارات العسكرية التي اشتهر بها رمضان، بل تغوص في الجانب الآخر من القصة؛ جانب السلام والمصالحات. سنستكشف كيف شهد هذا الشهر الفضيل، بقصد أو بمحض الصدفة التاريخية، ولادة اتفاقيات سلام محورية، من العفو العام يوم فتح مكة، إلى اتفاق الجمعة العظيمة الذي أنهى صراعًا دام ثلاثين عامًا، مرورًا بتحولات كبرى أعقبت حرب العاشر من رمضان. إنها رحلة عبر الزمن لنرى كيف يمكن أن يتجلى السلام في أكثر الشهور روحانية، وفي أكثر الظروف تعقيدًا.
1. نهاية حرب فيتنام وتوحيدها (أبريل 1975 / تزامن مع رمضان 1395 هـ):
الحدث:في 30 أبريل 1975، سقطت سايغون، عاصمة فيتنام الجنوبية، في أيدي قوات فيتنام الشمالية، مما أدى إلى نهاية حرب فيتنام وتوحيد البلاد تحت الحكم الشيوعي.
الأهمية: يعتبر هذا اليوم نهاية لواحد من أطول الصراعات وأكثرها دموية في فترة الحرب الباردة. على الرغم من أنه كان انتصارًا عسكريًا لطرف على آخر، إلا أنه فرض سلامًا داخليًا وأنهى عقودًا من الحرب والتدخل الأجنبي في فيتنام. تزامن هذا الحدث التاريخي مع شهر رمضان لعام 1395 هـ.
2. اتفاق الجمعة العظيمة (أبريل 1998 / تزامن مع رمضان 1418 هـ):
الحدث:تم توقيع اتفاق الجمعة العظيمة (أو اتفاق بلفاست) في 10 أبريل 1998، وهو اتفاق سلام تاريخي أنهى الصراع في أيرلندا الشمالية الذي استمر لثلاثة عقود وعُرف باسم “The Troubles”.
الأهمية:يُعد هذا الاتفاق نموذجًا عالميًا ناجحًا لحل النزاعات المعقدة. وقد شاركت فيه حكومتا بريطانيا وأيرلندا ومعظم الأحزاب السياسية في أيرلندا الشمالية. تزامن توقيع هذا الاتفاق المحوري مع الأيام الأولى من شهر رمضان لعام 1418 هـ.
3. معاهدة الدفاع العربي المشترك (يونيو 1950 / تزامن مع رمضان 1369 هـ):
الحدث: كما ذكرت سابقًا، تم التوقيع على هذه المعاهدة بين دول جامعة الدول العربية في 17 يونيو 1950، الموافق للثاني من رمضان.
الأهمية العالمية: على الرغم من أنها اتفاقية إقليمية، إلا أنها جاءت في سياق عالمي متوتر بعد قيام دولة إسرائيل والحرب الباردة. كانت محاولة لخلق تكتل دفاعي إقليمي يهدف إلى تحقيق الأمن والسلام الجماعي، وهو مفهوم أساسي في العلاقات الدولية.
4. مفاوضات السلام التي تلت حرب أكتوبر/رمضان (1973):
الحدث: الحرب نفسها بدأت في العاشر من رمضان 1393 هـ. لكن الأهم من ذلك هو أنها حطمت حالة الجمود السياسي وأجبرت الأطراف الدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، على الانخراط بجدية في عملية السلام في الشرق الأوسط.
الأهمية العالمية: أدت الحرب إلى مفاوضات “فك الاشتباك” ثم لاحقًا إلى اتفاقيات كامب ديفيد (1978) ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية (1979). لقد غيرت هذه الحرب الديناميكيات الجيوسياسية في المنطقة والعالم، وأثبتت أن الحل العسكري ليس مستدامًا، مما فتح الباب أمام الدبلوماسية والسلام.
ملاحظات هامة:
الصدفة الزمنية:من المهم التأكيد على أن تزامن هذه الأحداث العالمية مع رمضان هو في الغالب صدفة ناتجة عن تقاطع التقويمين الهجري والميلادي.
طبيعة السلام:السلام لا يعني دائمًا توقيع معاهدة. أحيانًا، يكون نتيجة لانتصار طرف وإنهاء الصراع بالقوة (مثل فيتنام)، أو من خلال مفاوضات طويلة ومعقدة (مثل أيرلندا الشمالية)، أو كـ”سلام بارد” ناتج عن توازن قوى جديد (كما حدث بعد حرب 1973).
يُظهر هذا العرض أن رمضان، حتى على الصعيد العالمي، شهد أحداثًا مفصلية أدت إلى إنهاء صراعات كبرى وإرساء أسس جديدة للسلام، سواء كان ذلك مقصودًا أم بمحض الصدفة التاريخية.





