مستشارك القانونى

الشرعية الجنائية بعد حكم الدستورية: بين تصحيح المسار واكتمال العدالة

الشرعية الجنائية بعد حكم الدستورية: بين تصحيح المسار واكتمال العدالة
بقلم المستشار أشرف مشرف – المحامي بالنقض
إذا كان حكم المحكمة الدستورية العليا قد أعاد رسم الحد الفاصل بين التنظيم والتجريم، فإنه في الوقت ذاته كشف عن إشكاليات عملية لم تكن كامنة في النصوص بقدر ما كانت كامنة في التطبيق الذي نشأ عبر السنوات السابقة على صدوره. فقد أدى انتقال سلطة إصدار جداول المواد المخدرة من وزير الصحة إلى رئيس هيئة الدواء المصرية إلى نشوء واقع تنظيمي استقر عمليًا، إلى أن جاء الحكم الدستوري كاشفًا عن فراغ تشريعي في هذه الجزئية تحديدًا، إذ تبين أن الأثر الجنائي المترتب على تعديل الجداول لا يجوز أن يستند إلا إلى الجهة التي عينها المشرّع صراحة.
ولم يكن هذا الاكتشاف الدستوري مجرد تصحيح شكلي لجهة الاختصاص، بل إعادة تعريف للعلاقة بين مصدر التجريم وحدود المسؤولية الجنائية ذاتها.
وكان الحكم ذاته قد قدّم، في منطقه، علاجًا مرحليًا لهذا الفراغ حين قرر أن الجداول الصادرة عن وزير الصحة تظل هي السارية قانونًا، باعتبارها الامتداد المشروع للإرادة التشريعية. غير أن الواقع العملي كان أكثر تعقيدًا؛ إذ لم يقتصر تدخل هيئة الدواء على إدارة الجداول القائمة، بل امتد إلى إدراج مواد مخدرة جديدة وإعادة ترتيب بعض المواد بين الجداول بما ترتب عليه تشديد العقوبات المقررة لعدد من الجرائم. ومن ثم، فإن العودة إلى ما قبل هذه القرارات — رغم ضرورتها الدستورية — لم تكن مجرد تصحيح نظري، بل أفرزت إشكاليات حقيقية تتعلق بمصير آلاف القضايا التي نشأت في ظل هذا التنظيم.
ولعل إصدار وزير الصحة، في اليوم التالي لصدور الحكم الدستوري، جداول جديدة تضمنت ذات المواد التي كانت واردة بقرارات هيئة الدواء، قد مثّل حلًا عمليًا لملء فراغ التجريم بالنسبة للوقائع اللاحقة على الحكم، إذ أعاد تأسيس الحظر على سندٍ دستوري صحيح، إلا أن الإشكال الحقيقي ظل قائمًا بالنسبة للجرائم التي وقعت في الفترة الممتدة منذ تدخل هيئة الدواء وحتى صدور الحكم الدستوري، وهي المنطقة الزمنية التي لم يعد ممكنًا تجاهل آثارها الجنائية بعد انكشاف الأساس القانوني الذي قامت عليه.
عند هذه اللحظة انتقل الإشكال من نطاق النظرية الدستورية إلى ساحة التطبيق الجنائي المباشر.
ومن هنا جاء تدخل النائب العام بكتابه الدوري رقم 1 لسنة 2026، لا بوصفه مجرد تعليمات إدارية لتنظيم العمل داخل النيابة العامة، بل باعتباره محاولة لإكمال العلاج الذي بدأه الحكم الدستوري، عبر ترجمة مضمونه النظري إلى سياسة إجرائية تعالج أوضاع القضايا القائمة وفق طبيعة كل حالة. وبذلك بدا الخطاب وكأنه الامتداد العملي للتحليل الذي فرضه الحكم الدستوري نفسه، إذ انتقل النقاش من سؤال المشروعية المجردة إلى سؤال أكثر تعقيدًا: كيف تُعاد الشرعية إلى الواقع دون أن ينهار استقرار العدالة الجنائية؟
وقد انطلق القرار من تمييز جوهري بين حالتين مختلفتين في طبيعتهما القانونية. ففي الحالة الأولى، حيث كانت صفة المادة المخدرة قد نشأت ابتداءً بقرارات هيئة الدواء، فإن المسألة لا تتعلق بتخفيف عقوبة أو تعديل وصف، بل بانعدام الركن المفترض للجريمة ذاتها. ومن ثم جاء التوجيه حاسمًا بإصدار أوامر بألا وجه لإقامة الدعوى في القضايا التي لم يُتصرف فيها بعد، وطلب البراءة في القضايا المنظورة أمام المحاكم أيًّا كانت مرحلتها، مع وقف تنفيذ العقوبات والإفراج عن المحكوم عليهم في الأحكام الصادرة بالإدانة، باتة كانت أو غير باتة، مع بقاء حق الطعن قائمًا وفق القواعد المقررة.
ويكشف هذا الاتجاه عن إدراك عميق بأن الشرعية الجنائية لا تحتمل الحلول الوسط؛ فإذا كان التجريم قد تأسس على سندٍ فقد مشروعيته الدستورية، فإن استمرار الإدانة لا يكون مجرد خطأ إجرائي، بل مساسًا مباشرًا بشرعية العقاب ذاتها. ومع ذلك، فإن وقف التنفيذ أو الإفراج لا يمثلان اكتمال العدالة، لأن الفرق يظل قائمًا بين من أُوقف تنفيذ عقوبته وبين من زالت عنه الإدانة أصلًا، وهو فارق لا يتحقق إلا عبر طرق الطعن أو عبر الطريق الاستثنائي الذي يظل حاضرًا كلما أغلقت الحجية أبوابها، وهو التماس إعادة النظر.
وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية التي لا تتعلق بوجود الحكم، بل بطبيعة الأثر الذي تركه.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، لأن ما تكشفه هذه الحالة لا يقتصر على انعدام التجريم فحسب، بل يكشف أيضًا عن طبيعة الخلل الذي قد يصيب العدالة حين يتبدل الأساس القانوني الذي قامت عليه الدعوى. فإذا كانت الحالة الأولى تمس وجود الجريمة ذاته، فإن ما يليها ينتقل بنا إلى منطقة أكثر خفاءً، حيث تبقى الجريمة قائمة في ظاهرها، بينما يعتري بنيان العقاب خلل دقيق لا يظهر في النصوص المجردة بقدر ما يظهر في أثرها على تقدير القاضي للعقوبة. وهنا لا يعود السؤال: هل وُجد التجريم؟ بل يصبح: هل وُلد الحكم داخل الإطار القانوني الصحيح الذي يسمح للعقوبة أن تعكس عدالة التقدير لا مجرد صحة الحساب.
أما الحالة الثانية، وهي الأكثر تعقيدًا، فتتعلق بالمواد التي كانت مدرجة أصلًا في الجداول، ثم أعيد ترتيبها أو نقلها بما أدى إلى تشديد العقوبة. وهنا لم يعد الأمر متعلقًا بوجود الجريمة، بل بمدى صحة الوصف القانوني وحدود العقاب. ولهذا وجّه النائب العام أعضاء النيابة إلى إسباغ القيود وفق الجداول الصحيحة الصادرة عن وزير الصحة في القضايا التي لم يُتصرف فيها، وإلى طلب تعديل مواد القيد أمام المحاكم في القضايا المنظورة، بما يعيد التكييف القانوني إلى إطاره الدستوري السليم.
غير أن الإشكال الأعمق ظهر في القضايا التي صدرت فيها أحكام غير باتة بالإدانة، حيث قرر الكتاب الدوري استمرار تنفيذ العقوبات المقضي بها إذا كانت داخلة في نطاق العقوبة المقررة وفق الجداول الصحيحة، مع بقاء حق الطعن قائمًا. وهنا يثور السؤال الذي لا تجيب عنه الحسابات المجردة: هل يكفي أن تكون العقوبة داخل الحد القانوني الصحيح حتى نعدّها عادلة؟
ذلك أن تقدير العقوبة عملية قضائية مركبة لا تنفصل عن الإطار القانوني الذي نشأت داخله.
فالعقوبة ليست رقمًا مجردًا، بل ثمرة تقدير قضائي يتشكل داخل المجال الذي يرسمه الحدان الأدنى والأقصى للعقاب. وحين يكون هذا المجال قد اتسع نتيجة تشديد غير دستوري، فإن التقدير القضائي ذاته يتأثر — ولو ضمنًا — بهذا الاتساع. ومن ثم، فإن القول بأن العقوبة لا تجاوز السقف الصحيح لا ينفي احتمال أنها كانت لتكون أقل لو صدر الحكم في ظل السقف القانوني الصحيح منذ البداية. وهنا تظهر أهمية الطعن على الأحكام غير الباتة لإعادة تقدير العقوبة داخل بيئتها القانونية السليمة، لا داخل ظلٍ تشريعي زال لاحقًا.
وتزداد المسألة دقة في الأحكام الباتة التي قرر الكتاب الدوري استمرار تنفيذها متى كانت العقوبة داخلة في النطاق القانوني الصحيح، مع الإبقاء على حق المحكوم عليهم في منازعة التنفيذ. فهذه الصياغة — وإن بدت حاسمة — تكشف في حقيقتها عن اعتراف ضمني بإمكانية مراجعة أثر الحكم، ذلك أن التنفيذ قد يستمر بينما يظل الأساس الذي تشكّل عليه التقدير محل مراجعة حين يكون التنفيذ قائمًا على تشديد فقد سنده الدستوري.
غير أن منازعة التنفيذ — رغم أهميتها — تظل أداة لمعالجة الأثر التنفيذي أكثر من كونها طريقًا لإزالة الحكم ذاته، وهو ما يعيد التماس إعادة النظر إلى الواجهة بوصفه الوسيلة التي قد تعيد فتح النقاش حول الحكم حين يصبح أثر الخلل الدستوري ممتدًا إلى تقدير العقوبة ذاتها.
وعند هذه النقطة يتجاوز النقاش حدود التطبيق الإجرائي ليصبح نقاشًا حول فلسفة الحجية ذاتها.
ولعل ما يميز هذه المرحلة أن التماس إعادة النظر لا يظهر هنا كطريق طعن استثنائي بالمعنى التقليدي، بل كآلية دفاعية تستعيد بها الشرعية قدرتها على تصحيح ذاتها بعد أن استقر الحكم واكتسب حجية تمنع مراجعته بالطرق العادية. فالحجية إنما وُجدت لحماية الاستقرار، لا لحماية الخطأ إذا انكشف أساسه الدستوري لاحقًا. ومن ثم، فإن اللجوء إلى الالتماس في مثل هذه الحالات لا يمثل خروجًا على استقرار الأحكام، بل تعبيرًا عن فكرة أعمق مؤداها أن العدالة الجنائية لا تكتفي بصحة الإجراءات، وإنما تتطلب أن يظل الحكم — حتى بعد صيرورته باتًا — متصلًا بسند شرعي صحيح لم ينقطع عنه بأثر حكم كاشف للدستور.
وعند هذه النقطة يتضح أن قرار النائب العام، رغم ضرورته في حماية الاستقرار الإجرائي، لم يكن نهاية المسار الذي بدأه الحكم الدستوري، بل خطوة في طريق أطول لإعادة التوازن بين حجية الأحكام ومتطلبات الشرعية الجنائية. فالعدالة لا تكتمل بمجرد بقاء العقوبة داخل حدودها الحسابية، وإنما تكتمل حين يطمئن الضمير القانوني إلى أن الحكم قد وُلد داخل الإطار الدستوري الصحيح منذ لحظة صدوره.
ولعل القيمة الأعمق لهذا المسار لا تكمن في معالجة قضايا بعينها، وإنما في إعادة تذكير العدالة الجنائية بحدودها الطبيعية؛ فالقاضي لا يحكم في فراغ، وإنما داخل بناء تشريعي يحدد أفق تقديره، فإذا تبدل هذا البناء بعد الحكم، لم يعد السؤال مقصورًا على صحة النص، بل امتد إلى عدالة الأثر الذي خلّفه. وهنا يصبح دور الدفاع والقضاء معًا ليس مجرد تطبيق القواعد، بل إعادة وصل الحكم بمصدر شرعيته كلما انكشف أن الطريق الذي سار فيه لم يكن الطريق الذي رسمه الدستور ابتداءً.
وهكذا لا يكون حكم الدستورية مجرد إبطال لنص أو تصحيح لإجراء، بل لحظة يراجع فيها القانون علاقته بالحرية ذاتها، إذ يتذكر أن العقاب لا يكتسب مشروعيته من ضرورته وحدها، وإنما من الطريق الذي وصل به إليها، فالقانون لا يصحح نفسه بإلغاء النصوص فحسب، بل بإعادة النظر في الآثار التي تركتها حين كانت تبدو صحيحة. لأن الشرعية الجنائية ليست قيدًا على العدالة، بل شرط وجودها الأول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى