المقالات

ليس تفاوضًا، بل إملاء شروط تحت تهديد القوة: ليست الأولي تاريخيٱ

ليس تفاوضًا، بل إملاء شروط تحت تهديد القوة: ليست الأولي تاريخيٱ

كتب م. إميل ن. عجبان

الرسالة التي تبثها واشنطن فى ظهور قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) ضمن الوفد المفاوض أمام المسؤولين الإيرانيين وهو يرتدي زيه العسكري الميداني؛ رسالة واضحة كالشمس: “لقد تجاوزنا مرحلة الكلام، وهذه هي الفرصة الأخيرة قبل أن يتحدث السلاح”.
تحليل الأبعاد النفسية والتكتيكية:
1.كسر التوازن النفسي: في العرف الدبلوماسي، غرفة المفاوضات هي مساحة محايدة. إدخال “البزة العسكرية” هو كسر متعمد لهذا التوازن، يهدف إلى إخراج المفاوض الإيراني من منطقته الآمنة ووضعه في حالة دفاعية، وتذكيره المستمر بأن نظيره على الطاولة ليس سياسيًا بل هو “قائد عمليات”.
2.تجسيد التهديد: بدلًا من التهديدات اللفظية التي قد تُفسر على أنها مجرد مناورات سياسية، قامت واشنطن بتجسيد التهديد في شخص قائد القيادة المركزية. أصبح التهديد جالسًا على الطاولة، ينظر في أعينهم مباشرة. الرسالة هي: “الخيار العسكري ليس مجرد ورقة على الطاولة، بل هو رجل ينتظر الأمر”.
3.تحويل التفاوض إلى مسألة فنية: وجود الجنرال يعني أن المطالب الأمريكية (مثل تفكيك برامج الصواريخ أو الطائرات المسيرة) لم تعد بنودًا سياسية قابلة للأخذ والرد والمماطلة، بل أصبحت “متطلبات أمنية وعسكرية” غير قابلة للنقاش، والتفاوض يقتصر فقط على آلية تنفيذها.
ان واشنطن لم ترسل مفاوضًا، بل أرسلت “خيارها العسكري” ليتفاوض بنفسه. هي لا تقول لإيران “انظروا ماذا سنفعل”، بل تقول “ها هو من سيفعلها، تحدثوا معه مباشرة”.
لقد اختصر ترامب كل خطابات التهديد والوعيد في صورة رجل واحد بزيه العسكري، محولاً طاولة التفاوض إلى غرفة عمليات مصغرة.
الرسالة ليست “وقعوا أو نحارب”، بل “وقعوا مع السياسي، أو سأترككم مع هذا الجنرال ليحدد هو شروط نهاية المعركة”.
إنها ذروة الضغط النفسي، ومحاولة لفرض الاستسلام قبل إطلاق رصاصة واحدة.
1️⃣ هل هو “إهانة دبلوماسية” أم “إجراء أمني”؟
هو كلاهما معًا وبشكل مقصود. إنه “إجراء أمني” تم توظيفه ليصبح “إهانة دبلوماسية”. هو إهانة لأنه يكسر كل الأعراف والبروتوكولات، ويُشعر الطرف الآخر بأنه لا يُعامل كندّ سياسي بل كهدف عسكري محتمل. وهو إجراء أمني لأنه يترجم التهديدات إلى واقع ملموس، ويؤكد أن الجانب العسكري هو من يقود الملف الآن.
2️⃣ كيف سيكون رد فعل الوفد الإيراني؟
الوفد الإيراني، المعروف ببراعته في المفاوضات الطويلة والمعقدة، سيواجه هذا الموقف بأحد طريقين أو بكليهما:
•التصعيد المضاد: قد يعتبره استفزازًا ويقوم بالانسحاب المؤقت من الجلسة كرسالة احتجاج، أو يصدر تصريحات نارية إعلاميًا لإظهار عدم الخضوع للترهيب.
•الاحتواء والتجاهل المدروس: قد يتجاهل “الاستفزاز البصري” تمامًا ويتعامل مع الموقف ببرود، ليرسل رسالة مفادها أن هذه التكتيكات لا تهزهم، وأنهم ما زالوا ينظرون إلى الملف من زاوية سياسية استراتيجية، وليس من منظور الخوف.في كلتا الحالتين، سيعود الوفد الإيراني إلى طهران برسالة واضحة: “الهامش الزمني للمناورة الدبلوماسية قد انتهى”.

بالتأكيد إن مشهد قائد القيادة المركزية الأمريكية في مسقط هو تطبيق معاصر لتكتيك قديم يُعرف بـ “دبلوماسية القوة” أو “دبلوماسية الزوارق الحربية” (Gunboat Diplomacy). هذا الأسلوب، الذي يعتمد على استعراض القوة العسكرية للضغط على الخصم، له جذور تاريخية عميقة وتداعيات خطيرة.
لقد شهد التاريخ العديد من الحالات التي تم فيها استخدام القوة العسكرية كأداة ضغط مباشرة على طاولة المفاوضات أو بالقرب منها:
•فتح اليابان (1853-1854): يعتبر وصول أسطول “السفن السوداء” الأمريكي بقيادة العميد ماثيو بيري إلى خليج طوكيو مثالًا كلاسيكيًا. المظهر المهيب للسفن الحربية الأمريكية، التي تفوقت تكنولوجيًا على أي شيء تمتلكه اليابان المنعزلة آنذاك، كان رسالة واضحة أجبرت اليابان على توقيع معاهدة كاناغاوا وفتح موانئها للتجارة مع الغرب تحت تهديد القوة.
•حادثة دون باسيفيكو (1850): أرسل وزير الخارجية البريطاني اللورد بالمرستون أسطولًا من البحرية الملكية لمحاصرة ميناء بيرايوس اليوناني. كان السبب هو إجبار الحكومة اليونانية على تعويض مواطن بريطاني تعرض للاعتداء. الحصار البحري كان وسيلة لإظهار أن بريطانيا لن تتردد في استخدام قوتها البحرية لحماية مصالح رعاياها.
•سياسة “العصا الغليظة” الأمريكية: في أوائل القرن العشرين، استخدم الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت هذا النهج في أمريكا اللاتينية. وأبرز مثال هو دعمه لانفصال بنما عن كولومبيا عام 1903، حيث أرسل سفنًا حربية أمريكية لمنع القوات الكولومبية من التدخل، مما ضمن إنشاء دولة بنما ومنح الولايات المتحدة السيطرة على منطقة قناة بنما.
•أزمة الصواريخ الكوبية (1962): على الرغم من أنها كانت مواجهة نووية، إلا أنها تضمنت عناصر قوية من الدبلوماسية القسرية. فرض الرئيس كينيدي حصارًا بحريًا (وصفه بـ “الحجر الصحي”) حول كوبا لمنع وصول المزيد من الصواريخ السوفيتية، واستخدم التهديد بعمل عسكري مباشر لإجبار الاتحاد السوفيتي على سحب الصواريخ التي تم نشرها بالفعل.
•ليبيا والتخلي عن أسلحة الدمار الشامل (2003): يُعتبر قرار ليبيا بالتخلي عن برامج أسلحة الدمار الشامل مثالًا حديثًا نجحت فيه الدبلوماسية القسرية. هذا القرار جاء بعد سنوات من العقوبات، والعزلة الدولية، والتهديدات العسكرية، بالإضافة إلى الغزو الأمريكي للعراق الذي أرسل رسالة واضحة للنظام الليبي آنذاك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى