ما بعد التوقيع: مفتاح الشراكات المستدامة يكمن في التنفيذ لا التفاوض

ما بعد التوقيع: مفتاح الشراكات المستدامة يكمن في التنفيذ لا التفاوض
كتب /م. إميل ن. عجبان
في عالم الأعمال، غالبًا ما يُنظر إلى توقيع العقود وإبرام الصفقات على أنها ذروة النجاح. لكن الحقيقة التي غالبًا ما تُغفل هي أن النجاح الحقيقي للشراكات يكمن في مرحلة ما بعد التوقيع، وتحديدًا في جودة التنفيذ. تشير الدراسات إلى أن ما يقرب من 50% من الاتفاقيات والشراكات تفشل في تحقيق قيمتها المرجوة، ليس بسبب ضعف التفاوض، بل بسبب أخطاء فادحة تُرتكب في مرحلة التنفيذ.
إن التحدي الأكبر يكمن في ما يُعرف بـ “فجوة التنفيذ”؛ وهي الهوة الشاسعة بين ما تم الاتفاق عليه على الورق وما يتم تطبيقه على أرض الواقع.
تبدأ هذه الفجوة في الظهور عندما تتحول الوعود الوردية إلى مسؤوليات يومية، وتتفاقم لأسباب عدة منها:
•توقعات غير واضحة: عبارات مثل “دعم فني عالي الجودة” أو “شراكة استراتيجية” يمكن أن تعني أشياء مختلفة تماماً لكلا الطرفين، مما يؤدي إلى سوء فهم وتباعد في الرؤى.
•نقص التواصل: بمجرد توقيع العقد، يعود كل فريق إلى صومعته، ويفترض أن الطرف الآخر يعرف ما يجب عليه فعله، مما يقطع جسور التفاهم المستمر.
•عدم تحديد المسؤوليات: لا يتم تحديد “من” المسؤول عن تنفيذ “ماذا” و”متى” بشكل دقيق، مما يخلق مناطق رمادية تعيق التقدم.
ولعل أبرز مثال على هذه الفجوة هو الاندماج الكارثي بين عملاق الإنترنت AOL وإمبراطورية الإعلام Time Warner في عام 2000. على الورق، كانت الصفقة تبدو مثالية، لكنها تحولت إلى واحدة من أكبر الإخفاقات في تاريخ الشركات بخسارة بلغت 99 مليار دولار في عام واحد. السبب الجوهري كان صراعًا ثقافيًا هائلاً، وغياب أي رؤية أو خطة تنفيذ واضحة بعد التوقيع، حيث عملت كل شركة ضد الأخرى بدلاً من العمل معها.
وعلى النقيض تماماً، نجد مثالاً للنجاح الباهر في استحواذ ديزني على بيكسار عام 2006. كان الخطر كبيراً في أن تسحق ثقافة ديزني الضخمة روح الإبداع في بيكسار، لكن قيادة ديزني طبقت خطة تنفيذ عبقرية بعد الاتفاق، حيث حافظت على استقلالية بيكسار وثقافتها، بل ووضعت قادة بيكسار في موقع المسؤولية عن قسم الرسوم المتحركة في ديزني بأكمله. النتيجة لم تكن مجرد صفقة ناجحة، بل كانت عملية “تجديد شباب” لشركة ديزني بأكملها.
خطة التنفيذ من 7 خطوات: جسر فوق فجوة التنفيذ لتجنب هذا المصير، يجب أن تبدأ العمل فوراً بعد التوقيع.
إليك خطة عمل مجربة لتحويل الاتفاق إلى واقع ملموس وشراكة مستدامة:
1.عقد اجتماع الانطلاق (Kick-off Meeting): هذا ليس احتفالاً، بل هو أهم اجتماع في المشروع. يجب عقده خلال 48 ساعة من التوقيع، ويجب أن يضم الأشخاص المسؤولين عن التنفيذ الفعلي من كلا الطرفين، وليس فقط المفاوضين. هدف الاجتماع هو التأكد من أن الجميع يفهمون الأهداف والمسؤوليات بنفس الطريقة.
2.ترجمة العقد إلى مهام: العقود مليئة باللغة القانونية المعقدة. الخطوة التالية هي ترجمة هذه البنود إلى قائمة مهام واضحة ومجدولة زمنياً. استخدم جدولاً بسيطاً للإجابة على ثلاثة أسئلة لكل بند: من سيفعل؟ ماذا سيفعل؟ ومتى الموعد النهائي؟
3.تحديد “سفراء العلاقة”: يجب تعيين شخص مسؤول من كل طرف ليكون نقطة الاتصال الأساسية. هذا يمنع ضياع الرسائل ويضمن حل المشكلات بسرعة قبل أن تتفاقم.
4.إنشاء لوحة تحكم مشتركة (Shared Dashboard): الشفافية هي مفتاح الثقة. استخدم أداة بسيطة ومتاحة للجميع (مثل Google Sheets, Trello, أو Asana) لتتبع التقدم المحرز في المهام الرئيسية. عندما يرى الجميع نفس المعلومات، تقل الشكوك وسوء الفهم.5.وضع بروتوكول للتواصل: لا تترك التواصل للصدفة. اتفقوا بوضوح على اجتماعات دورية (اجتماع أسبوعي قصير لمتابعة التقدم)، تقارير منتظمة (تقرير شهري موجز يلخص الإنجازات والتحديات)، وقنوات الطوارئ (كيف سيتم التواصل في حال حدوث مشكلة عاجلة).
6.الاتفاق على مقاييس النجاح (KPIs): يجب تحويل الأهداف الغامضة إلى أرقام قابلة للقياس. بدلاً من “تحسين المبيعات”، اتفقوا على “زيادة المبيعات بنسبة 15% خلال الربع الأول”. الأرقام لا تكذب وتوفر أساساً موضوعياً لتقييم الأداء.
7.جدولة مراجعة ربع سنوية: كل ثلاثة أشهر، يجب عقد اجتماع استراتيجي رفيع المستوى. هذا الاجتماع ليس لمناقشة المهام اليومية، بل لتقييم صحة العلاقة، ومراجعة الأهداف الكبرى، وتعديل الخطة إذا لزم الأمر للتكيف مع أي متغيرات جديدة.نموذج متابعة صحة العلاقة تتبع المهام لا يكفي؛ يجب التأكد من أن العلاقة نفسها صحية وقوية. في اجتماعات المراجعة ربع السنوية،
الخاتمة: العقد خريطة، والعلاقة هي المحرك
العقود لا تبني الشركات، بل العلاقات القوية هي التي تفعل. إن الاتفاق المكتوب هو مجرد خريطة طريق، لكن نجاح الرحلة يعتمد على السائقين وقدرتهم على التواصل والثقة المتبادلة. من خلال تطبيق خطة تنفيذ واضحة ومتابعة صحة العلاقة بانتظام، فإنك لا تضمن فقط نجاح اتفاقك الحالي، بل تبني أساساً متيناً لصفقات مستقبلية أكثر قيمة وثقة. يتبقى لنا الاسبوع القادم باذن الله المقال الأخير فى هذه السلسلة من فن التفاوض فى وجود الذكاء الاصطناعي.





