على طاولة المفاوضات: كيف تحسم صفقة العمر في 10 دقائق؟

على طاولة المفاوضات: كيف تحسم صفقة العمر في 10 دقائق؟
بقلم: م. إميل ن. عجبان
هل تعلم أن 80% من نتائج مفاوضاتك تُحسم في الدقائق العشر الأولى؟ هذا ما كشفته دراسة حديثة لجامعة السلطان قابوس، مؤكدة أن السيطرة على بداية الجلسة تمنحك شروطاً أفضل بنسبة 35%. فالتفاوض ليس مجرد حجج وأرقام، بل هو فن قراءة اللحظة والتحكم في إيقاع الحوار.
في هذا الدليل المبسط، نلخص لك أهم استراتيجيات تحقيق “الانتصار الذكي” على طاولة المفاوضات.
قصة نجاح: من مواجهة إلى تعاون في 5 دقائق
في عام 2019 بفندق في إسطنبول، دخل مفاوض شاب جلسته الدولية الأولى ليجد ممثلي ثلاث شركات عالمية يجلسون في جانب واحد من الطاولة، تاركين له المقعد المقابل وحيداً في وضعية تشبه المواجهة. بذكاء، لم يجلس في مكانه، بل ابتسم وقال: “يبدو أننا سنشكل فريقاً موحداً اليوم!”، ثم جلس بجانبهم.
هذه الحركة البسيطة غيرت ديناميكية الاجتماع بالكامل. في غضون خمس دقائق، تحول الجو من “نحن ضدك” إلى “نحن معاً”، وانتهت الجلسة بصفقة قيمتها 8 ملايين دولار. الدرس هنا: هندسة الجلوس قد تكون أهم من أول كلمة تقولها.
خريطة الدقائق العشر الحاسمة
الدقيقة 0-3: جهّز المسرح واكسر الجليد
قبل أن تبدأ الحديث، تأكد من التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق:
1. ترتيب الجلوس: تجنب الجلوس في مواجهة مباشرة. اختر طاولة دائرية أو اجلس على شكل حرف (L) لتعزيز التعاون.
2. بيئة مريحة: اضبط درجة حرارة الغرفة (22-24 درجة مئوية) وتأكد من وجود إضاءة جيدة.
3. ابدأ بذكاء: لا تقل “لنبدأ”، بل استخدم عبارات ودية تفتح باب الحوار، مثل: “أتمنى أن يكون هذا الاجتماع بداية لتعاون مثمر” أو “لدي شعور بأننا سنصل لنتائج رائعة تخدم أهدافنا جميعاً”.
الدقيقة 3-5: ضع قواعد اللعبة
هنا تضع الإطار الذي سيحكم النقاش:
• حدد الهدف المشترك: ذكّر الجميع بأن الهدف هو الوصول لاتفاق يرضي كل الأطراف، لا تحقيق انتصار فردي.
• شارك جدول الأعمال: اعرض مقترحاتك واسأل الطرف الآخر عن النقاط التي يود إضافتها.
• اتفق على الوقت: اقترح مدة زمنية محددة للجلسة، مع استراحة في المنتصف.
الدقيقة 5-10: استمع أولاً، تحدث لاحقاً
هذه هي أهم خطوة. لا تستعرض أوراقك فوراً، بل اطرح سؤالاً سحرياً: “لنبدأ من جهتكم: ما هي رؤيتكم لهذا التعاون؟”. ثم استمع بتركيز لتفهم أولوياتهم، مخاوفهم، وما الذي لا يقولونه صراحة.
4 تكتيكات ذكية للتحكم في إيقاع التفاوض
1. “المطرقة الذهبية”: حوّل الهجوم إلى فرصة
1. الموقف: “سعركم مرتفع جداً!”
2. الرد الذكي: لا تدافع أو تستسلم. اعترف بملاحظتهم أولاً (“أتفهم أن السعر مهم جداً”)، ثم اسأل عن تفاصيل المقارنة، وأخيراً حوّل النقاش من السعر إلى “القيمة الإجمالية” التي سيحصلون عليها.
2. “قاعدة 70/30”: الصمت سلاح قوي
1. القاعدة: استمع 70% من الوقت وتحدث 30% فقط.
2. كيف؟ بعد طرح سؤال أو عرض، اصمت لثوانٍ. هذا الصمت المدروس قد يدفع الطرف الآخر لتقديم تنازلات دون أن تطلبها.
3. “التراجع التكتيكي”: خطوة للخلف من أجل خطوتين للأمام
1. عند الجمود: اقترح تأجيل النقاش حول نقطة الخلاف والانتقال إلى نقطة أخرى.
2. عند الضغط: اطلب استراحة قصيرة (15 دقيقة) لإعادة ترتيب الأفكار.
4. “العطاء والمقابل”: لا شيء مجاني
1. القاعدة: لا تقدم أي تنازل دون مقابل.
2. النص الجاهز: “إذا وافقنا على طلبكم، فهل يمكنكم الموافقة على طلبنا؟”. هذا يحفظ قيمة تنازلاتك ويجعل الصفقة متوازنة.
عندما تصل إلى طريق مسدود: 5 استراتيجيات لكسر الجمود
1. غيّر الموضوع: إذا كان النقاش عالقاً عند السعر، انتقل للحديث عن شروط الدفع أو الضمان.
2. شكّل لجنة مصغرة: اقترح أن يجتمع شخصان من كل فريق لمناقشة النقطة الشائكة بشكل منفصل.
3. عد إلى الهدف الأسمى: ذكّر الجميع بالمصلحة المشتركة التي تجمعكم.
4. استخدم “الموعد النهائي”: سواء كان حقيقياً (“لدي طائرة بعد 3 ساعات”) أو مصنوعاً (“لدي اجتماع لمجلس الإدارة غداً”)، فإن تحديد إطار زمني يحفز اتخاذ القرار.
5. قدّم “العرض الأخير”: بعبارات واضحة مثل: “بناءً على كل ما ناقشناه، هذا هو أفضل عرض يمكننا تقديمه، وهو سارٍ لمدة 24 ساعة فقط”.
الخلاصة: التفاوض رقصة وليس معركة
المفاوض المحترف يشبه قائد الأوركسترا الذي ينسق الإيقاع ليخرج بأجمل سيمفونية، لا المصارع الذي يسعى لهزيمة خصمه. الفوز الحقيقي ليس في الحصول على أفضل الشروط اليوم، بل في بناء جسور تمكّنك من الفوز غداً أيضاً.
تلخيص وتحرير صحفي م. إميل ن. عجبان





