تكنولوجيا و إتصالات

فن التفاوض فى عصر الذكاء الاصطناعي

فن التفاوض فى عصر الذكاء الاصطناعي.                             كتب /م. إميل نجيب عجبان

الإعداد الاستراتيجي:
الخريطة الذهبية للمفاوضات الناجحة

البداية:
الاجتماع الذي لم يدُم دقيقة واحدة وفاز بصفقة المليون

في لندن، دخل المدير التنفيذي لشركة تقنية سعودية – لاجتماع مع شركة بريطانية عريقة. كانت المفاوضات تستهدف شراكة بقيمة 5 ملايين دولار. بدلاً من البدء في التفاصيل،
قال فى البداية: “قبل أن نبدأ، لدي سؤال واحد فقط: ما الذي سيجعل هذه الشراكة ناجحة بنسبة 200% من وجهة نظركم؟”.

صمت، ثم بدأ الطرف البريطاني بالحديث عن رؤيتهم، مخاوفهم، وتوقعاتهم. بعد 45 دقيقة، قال المدير البريطاني: “لم يسبق أن سألنا أحد هذا السؤال. دعنا نعدّل العرض ليناسب رؤيتك أيضاً”.

الدرس: الإعداد الاستراتيجي لا يعني جمع المعلومات فقط، بل تغيير قواعد اللعبة قبل أن تبدأ.

الخطأ الفادح: 92% من المفاوضين يقفزون إلى الطاولة دون خريطة

دراسة أجرتها “جامعة الملك عبدالله للعلوم” على 1000 مفاوض عربي وجدت أن:

· 92% لا يخصصون أكثر من ساعة للإعداد
· 85% يركزون على “ماذا نريد” ويهملون “ماذا يريدون”
· 78% لا يحددون نقطة العودة (BATNA) بوضوح

النتيجة: صفقات أقل جودة بنسبة 40% في المتوسط.

الخريطة الذهبية: الإعداد في خمس مراحل

المرحلة الأولى: استخبارات ما قبل المعركة (70% من النجاح)

1. تحليل الطرف الآخر: من هم حقاً؟

· البعد الرسمي: المنصب، الصلاحيات، السقف الزمني
· البعد غير الرسمي: شخصيته (تنافسي، تعاوني، متجنب)، ضغوطه الخفية، تاريخ مفاوضاته
· البعد الثقافي: اختلافات التفاوض بين السعودي والمصري والإماراتي والأجنبي

أداة عملية: “ملف الشخصية التفاوضي” حدد به الآتى:

الاسم: [ ]
الدور الرسمي: [ ]
الدور غير الرسمي: [مؤثر، معرقِل، داعم]
نمط التفاوض: [تنافسي، تعاوني، مساوم، متجنب، مذعن]
ضغوطه الخفية: [محددات وقت، ضغوط رؤساء، صورة عامة]
قيمه العليا: [الربح، العلاقة، المبادئ، السمعة]
“`

2. جمع المعلومات: من يملك المعلومة يملك القوة

مصادرك الاستخباراتية:

· المصادر المفتوحة: تقارير الشركة، مواقع التوظيف (لتقدير الرواتب والمشاكل)، منصات مثل LinkedIn
· المصادر البشرية: موظفون سابقون، عملاء مشتركون، موردون مشتركون
· المصادر غير المباشرة: حضور مؤتمراتهم، متابعة خطابات قادتهم

قصة من الواقع:
مفاوض قطري مع شركة ألمانية:

· اكتشف من خلال LinkedIn أن المدير الألماني كان مسؤولاً عن مشروع فاشل في البرازيل
· في المفاوضات: “أعلم أن تجربتكم في البرازيل كانت صعبة، ولذلك صممنا عرضنا لتجنب تلك المخاطر تحديداً”
· النتيجة: ثقة فورية، وصفقة بأفضل الشروط.

المرحلة الثانية: تحليل المصلحة متعددة المستويات

مستويات المصلحة الثلاثة:

1. المصلحة الظاهرة: “نريد خصم 20%”
2. المصلحة المخفية: “نريد ضمان استمرارية التوريد خلال الأزمات”
3. المصلحة العميقة: “نريد أن نكون الشريك المفضل لديكم، وليس مجرد عميل”

تمرين العمق: اسأل “لماذا” خمس مرات

نريد خصم 20%
↓ لماذا؟
لتحسين هامش الربح
↓ لماذا؟
لتعويض خسائر الربع الماضي
↓ لماذا؟
لإرضاء المساهمين
↓ لماذا؟
لجذب استثمارات جديدة
↓ لماذا؟
لتوسعة خط الإنتاج والمنافسة عالمياً
“`

الهدف الحقيقي: ربما يكون “تأمين تمويل مشترك للتوسع” وليس “خصم 20%”.

المرحلة الثالثة: تحديد نقاط التحكم الخاصة بك

1. BATNA (أفضل بديل للاتفاق التفاوضي)

ليس: “ماذا سأفعل إذا فشلت المفاوضات؟”
بل:”ما هو أفضل بديل لدي؟ وكيف يمكنني تحسينه قبل الجلوس للتفاوض؟”

مثال من قطاع البناء في مصر:

· BATNA الضعيف: “سأتفاوض مع مورد آخر”
· BATNA القوي: “لدي عقد موقّع مع مورد بديل بسعر أفضل 10%، ولديه القدرة على التوريد الفوري”

كيف تقوي BATNA الخاص بك؟

· اجعل بدائلك حقيقية وليست تهديدات فارغة
· طوّرها قبل التفاوض، ليس أثناءه
· اعرف BATNA الطرف الآخر (غالباً أضعف مما تظن)

2. نقطة التحفظ (الحد الأدنى المقبول)

الخطأ: تحديده في رأسك
الصحيح:كتابته على ورقة، وإخبار شريكك به (ليمنعك من التجاوز تحت الضغط)

3. الهدف الطموح (ولكن الواقعي)

قاعدة: ضع هدفاً أعلى بـ 30% مما تتوقع تحقيقه.

المرحلة الرابعة: تحليل ساحة المعركة

خريطة القوى التفاوضية:

1. قوة البدائل: من يملك بدائل أفضل؟
2. قوة الوقت: من تحت ضغط زمني؟
3. قوة المعلومات: من يعرف أكثر؟
4. قوة العلاقات: من يملك شبكة علاقات أقوى؟
5. قوة الشرعية: من يملك الحق الأخلاقي أو القانوني؟

تطبيق من الخليج:
في مفاوضات وكالة سيارات فاخرة:

· قوة البدائل: الوكيل (لديه علامات أخرى)
· قوة الوقت: الوكيل (يحتاج لتحقيق مبيعات قبل نهاية الربع)
· قوة المعلومات: المشتري (بحث مكثف عن الأسعار العالمية)
· قوة العلاقات: متساوية
· قوة الشرعية: المشتري (يدفع نقداً)

الاستراتيجية: التركيز على ضعف الوقت لدى الوكيل + استخدام المعلومات التفصيلية.

المرحلة الخامسة: إعداد فريق المفاوضات

توزيع الأدوار (مثل فريق كرة القدم):

· المهاجم: يطلب، يضغط، يبتكر الحلول
· اللاعب المحوري: يحلل، يطرح الأسئلة العميقة
· حارس المرمى: يدافع عن الحدود الحمراء
· المدرب: يراقب من الخارج، يتدخل عند الحاجة

خطأ شائع: أن يكون الجميع “مهاجمين” (فريق عدواني يخيف الطرف الآخر)

أدوات الإعداد العملي

الأداة 1: قائمة التحقق التفاوضي (Checklist)

□ حددت أهدافي (طموح، واقعي، حد أدنى)
□عرفت BATNA الخاص بي وحسّنته
□حللت BATNA الطرف الآخر
□جمعت معلومات عن الطرف الآخر (شخصية، مؤسسية)
□حددت نمط تفاوضي مناسب (تنافسي/تعاوني)
□هيئت الفريق ووزّعت الأدوار
□جهزت قاعة/مكان التفاوض لصالحي
□خططت للجدول الزمني والفواصل

الأداة 2: خارطة العقل التفاوضية

ارسم في منتصف الصفحة: “صفقتنا مع [الطرف الآخر]”
الفروع الرئيسية:

· أهدافنا (بمستوياتها الثلاثة)
· أهدافهم (كما نتصورها)
· نقاط قوتنا
· نقاط ضعفنا
· نقاط قوتهم
· نقاط ضعفهم
· البدائل
· المخاطر
· الفرص

الأداة 3: سيناريوهات اللعب

قبل الاجتماع، العب الأدوار:

1. السيناريو المثالي: ماذا لو وافقوا على كل شيء؟
2. السيناريو المتوقع: ماذا سيعترضون عليه؟
3. السيناريو الكارثي: ماذا لو هددوا بالانسحاب؟

القاعدة: كل ساعة إعداد توفر 10 ساعات من المفاوضات الفعلية.

دراسة حالة: صفقة الاستحواذ التي فازت بالإعداد

الشركة: ناشئة تقنية إماراتية
الهدف:الاستحواذ عليها من قبل شركة أمريكية
قيمة الصفقة المتوقعة:15 مليون دولار

الإعداد (6 أسابيع قبل الاجتماع):

1. تحليل المشتري:
· اكتشفوا أن الشركة الأمريكية تخسر حصة سوقية في الشرق الأوسط
· المدير المفاوض يترقب منصباً أكبر ويعتبر هذه الصفقة فرصته
2. تعزيز BATNA:
· تفاوضوا سراً مع شركة أوروبية منافسة
· حصلوا على عرض بـ 12 مليون دولار (لكن بشروط تقنية أفضل)
3. تحليل المصالح العميقة:
· الأمريكيون: يحتاجون لوجود سريع في المنطقة + فريق تقني متميز
· الناشئة: تريد ضمان استمرارية العلامة + تطوير المنتج + خروج المش founders بأموال
4. إعداد الفريق:
· مؤسس (المهاجم): للرؤية والشغف
· CFO (حارس المرمى): للتفاصيل المالية
· مستشار استثماري (المدرب): للمشورة الخارجية

النتيجة:

· الصفقة النهائية: 18 مليون دولار + استمرار العلامة التجارية + منصب للمؤسس في الشركة الأم
· السبب: قدم العرض حلولاً للمصالح العميقة للطرفين، مع BATNA قوي في الخلفية.

التمرين العملي: إعدادك لتفاوضك القادم

خُذ تفاوضاً قادماً في حياتك (عمل، شراء، راتب، إلخ) وأجب:

1. ما الذي لا تعرفه عن الطرف الآخر وتحتاج لمعرفته؟
2. ما هي مصلحتك العميقة الحقيقية (وراء الطلبات الظاهرة)؟
3. ما هو BATNA الخاص بك الآن؟ وكيف يمكن تحسينه 20%؟
4. ما هو أقصى سيناريو يمكن أن يحدث؟ وكيف ستتعامل معه؟

إن المفاوضون المحترفون لا يفوزون على الطاولة، بل في غرفة الإعداد

أعظم مفاوض في التاريخ الصيني، “سون تزو”، قال: “الجنرال الذي يفوز هو الذي يحسب حساباته في معبده قبل أن تقع المعركة”.

في عالم المفاوضات، المعركة تكسب أو تُخسر قبل أن يجلس الطرفان إلى الطاولة. الإعداد الجيد يحول المفاوض من ردّ الفعل إلى صنع الفعل، ومن الدفاع إلى الهجوم الذكي.

هل تريد أن تكون مفاوضاً يرد على عروض الآخرين؟
أم مفاوضاً يصنع عروضاً تجبر الآخرين على الرد حسب شروطه؟

وهذه مصادر اضافية لموضوع المقال: “التحضير للمفاوضات” لريتشارد شيل (يقدم 100 أداة عملية)

هناك تطبيق: “Negotiation Prep”
(يساعد في تحليل الأطراف وتحديد الأهداف)

المصطلح الرئيسي للمقال:
“Anchoring” (التثبيت):تأثير العرض الأول في تحديد نطاق المفاوضات اللاحقة –
السبب الذي يجعل الإعداد لـ”الطلقة الأولى” أهم مما نتصور.
ء—
في المقالة القادمة:
سننتقل إلى مرحلة التنفيذ:
ما الذي تقوله في الدقائق الخمس الأولى التي تحدد مصير المفاوضات؟
وكيف تتحكم في إيقاع وجو الاجتماع؟
سأقدم لك حيلٱ ونصوصاً جاهزة وتكتيكات لحظية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى