المقالات

فن التفاوض الاستراتيجي في عصر الذكاء الاصطناعي : من المواجهة إلى التعاون الذكي

فن التفاوض الاستراتيجي في عصر الذكاء الاصطناعي : من المواجهة إلى التعاون الذكي

 كتب م. إميل نجيب عجبانالمقالة

مقدمه:
الصفقة التي فقدناها بسبب كبريائنا

في قاعة اجتماعات فاخرة بمدينة دبي، كان “خالد” يخوض مفاوضات شراء برنامج تقني بمليون درهم. ظن أنه يمتلك كل الأوراق الرابحة: منافسوه يطلبون ضعف السعر، وإعتقد أن مايميزه هو أن شركته قادرة على الدفع نقداً. لكنه وقع في فخ الكبرياء: “إما نأخذها بسعرنا، أو نبحث عن غيركم”. رد الطرف الآخر بكل هدوء: “حسناً، نتمنى لكم التوفيق”.

خلال أسبوع، اكتشف خالد أن المنافسين اشتروا البرنامج وطوروه، بينما بقيت شركته تستخدم نظاماً قديماً غير مطور. وأصبحت الخسارة ليست مليون درهم فقط، بل فرصة تاريخية للتفوق التقني والسبق الميداني.

هو الكبرياءالخطأ:
التفاوض ليس معركة كبرياء، بل هو علم إنساني يعتمد على فهم النفسيات والمصالح.

ولنبدأ فى سرد الخرافات المهلكة والقاتلة فى التفاوض:

الخرافة الأولى:
“المفاوض الجيد يولد ولا يُصنع”

لكن الحقيقة أن: 90% من مهارات التفاوض يمكن ان تتعلمها.
قامت دراسة بجامعة هارفارد بتتبع 5000 مفاوض، ووجدت أن التدريب المناسب يحسن نتائج التفاوض بنسبة 60%.

كسر الخرافة:
1. التفاوض مهارة تكتسب، ليس موهبة مولود بها المفاوض.
2. القواعد نفسها تنطبق على كل عمليات التفاوض بدءٱ من بائع الخضار ووصولا الى أعلى مفاوضات بين رؤساء الدول.
3. السر في النظام، وليس في الشخصية

الثانية:الخرافة
“الصوت العالي والمواقف الصلبة تكسب”

لكن الحقيقة أن: الدراسات تظهر أن المفاوض الهادئ يحصل على شروط أفضل بنسبة 40% من الصارخ.

قصة حقيقية
“الهدوء الذي هزم الصراخ”:
في مفاوضات عقارية بالقاهرة، كان المالك يصرخ: “السعر ثابت! لا نقاش فيه!” بدلاً من الصراخ فى مقابل هذا الصراخ، كان دهاء المشتري بهدوء حيث رد: “أتفهم تمسكك بالسعر. قد يكون هذا هو السعر المناسب للعقار… لكن دعني أسألك: ما الذي تحتاجه حقاً من هذه الصفقة؟ هل هو السيولة المادية السريعة؟ أم ضمان شروط دفع مريحة؟”
ساد صمت للحظات…
ثم بدأ المالك بالكلام عن مشاكله المالية.
فكانت النتيجة: خصم 15% مقابل دفع نقدي فوري.

الخرافة الثالثة:
“فوز طرف يعني خسارة الطرف الآخر”
هذه أخطر خرافة في التفاوض العربي.

لكن الذكاء هنا يستخدم نموذج فكري جديد:
فبدلا من التفاوض التنافسي يستبدل بالتفاوض التعاوني
وبدلا من كعكة واحدة تتصارع حولها المفاوضات تستبدل بكعكة يمكن توسيعها لاستفادة جميع الاطراف
وبدلا من ان ربحي = خسارتك تستبدل بانه يمكننا الربح معاً
وبدلا من مصلحتي ضد مصلحتك لكن هناك مصالح مشتركة مخفية

مثال واقعي من السعودية:
مفاوضات بين شركة أدوية ومستشفى حكومي:
الموقف الأولي: خصم 20% على الأدوية مقابل شراء كمية كبيرة
الموقف بعد التفكير التعاوني: خصم 15% + تدريب مجاني للصيادلة + بحث مشترك في آثار الأدوية
النتيجة: ربحت الشركة ولاء طويل المدى، وربح المستشفى خدمة إضافية مجانية.
ء—

وهنا يظهر المبدأ الذهبي:
افصل شخص المفاوض عن المشكلة محل التفاوض

الخطأ الشائع: “أنت بخيل ومتمسك!” أو “أنت غير معقول!”
لكن التصحيح يجب أن يكون: “هذا السعر يشكل تحدياً لميزانيتنا” أو “هذا الشرط يحتاج بعض المرونة”

لذا يجب: إعادة الصياغة
غير العبارة الهجومية بالعبارة البنّاءة
“طلباتك غير منطقية!” اجعلها “كيف يمكننا معٱ جعل هذه الطلبات قابلة للتطبيق؟”
# “أنت تحاول استغلالنا!” بدلها ب “نحتاج لضمان أن الصفقة عادلة للطرفين”
# “هذا رفض نهائي” عدلها لتكون “هذا يمثل تحدياً لنا، دعنا نبحث عن بدائل”
ء—

الخرافة الرابعة:
“المفاوض الناجح لا يظهر ضعفه”

فى حين أن الحقيقة هي: الضعف المحسوب منتهى الدهاء ومن أقوى أسلحة التفاوض.

كيف تستخدم الضعف الاستراتيجي؟
1. الاعتراف بالحقيقة: “حقيقةً، ميزانيتنا محدودة هذه هى الاعتمادات المطروحة بالموازنة”
2. طلب المساعدة: “كيف ترى أننا يمكننا تخطي هذه العقبة معاً؟”
3. الإفصاح المحسوب: “نحن تحت ضغط لتوقيع العقد هذا الشهر”

دراسة حالة من الأردن:
شركة ناشئة تتفاوض مع مستثمر:
الضعف الكاذب: “لدينا عروض أخرى كثيرة” (هذا يحفز المستثمر للانسحاب)
الضعف الصادق: “نحن بحاجة لمستثمر لا يقدم المال فقط، بل الخبرة الإدارية التي تفتقدها شركتنا الناشئة”
النتيجة: حصلوا على الاستثمار + انضم المستثمر لمجلس الإدارة مجاناً.
ء—

لذاا في حالة كونك في اختبارك التفاوضي الأول يجب عليك:

قبل أن تبدأ أي نوع من المفاوضات، اسأل نفسك:
1. سؤال المصالح:
· ما الذي أريده حقاً؟ (القائمة الظاهرية)
· لماذا أريده؟ (المصالح الخفية)
2. سؤال الخريطة الذهنية:
· ما الذي يريده الطرف الآخر ظاهرياً؟
· لماذا يريده؟ (تخيل نفسك مكانه)
3. سؤال BATNA (ما هو أفضل بديل للاتفاق):
· ماذا سأفعل إذا فشلت المفاوضات؟
· ما بديل الطرف الآخر على الأرجح؟
4. سؤال العلاقة:
· هل هذه مفاوضات لمرة واحدة؟
· أم هي بداية علاقة طويلة المدى؟
ء—

نموذج للايضاح
“مفاوضات العائلة”:

السيناريو:
انت تريد شراء سيارة مستعملة من قريبك.

الطريقة الخاطئة:
# قولك له “أنت تطلب سعراً أعلى من السوق!”
· او “هذا غير عادل بين الأقارب!”

 الطريقة الذكية:
1. البداية الإيجابية: “السيارة جميلة ومحافظ عليها، هذا واضح”
2. طرح المصالح: “أحتاج سيارة موثوقة لأني سأنقل بها أطفالي”
3. العرض التعاوني: “سعر السوق كذا X، لكني أعرف أنك صرفت على صيانتها. ماذا لو أعطيتك كذا Y مع صيانة مجانية لسيارتك الاخري لمدة سنة في الورشة التي الخاصة بي؟”
4. منفعة للطرفين: أنت تحصل على سعر أفضل + هو يحصل على خدمة إضافية.
ء—

وهنا أهديك أدوات سريعة للمفاوض المبتدئ:

الأداة 1:
قائمة “الممنوعات”

لا تقل “لكن” (استبدلها بـ “وأنا أضيف أن”)
لا تهاجم المفاوض المقابل اطلاقٱ
لا تدخل بنفسك فخ (“هذا عرضي النهائي”) مبكرٱ فى التفاوض اجعله ورقة ضغط فى حالة الوصول لطريق مغلق.
لا تتفاوض وأنت غاضب أو جائع أو متعب. حتى لو حتطلب Break ربع ساعة حاول الهدوء واعادة تركيزك ونقاط قوتك فيه قبل العودة

الأداة 2:
أسئلة الساعة الذهبية

· “ساعدني لأفهم: ما الذي يجعل هذا العرض مهماً لك؟”
· “ماذا سيحدث لو وافقتُ على طلبك هذا؟”
· “ما الذي لم أسأل عنه بعد وهو مهم لك؟”

الأداة 3:
فن الصمت

· بعد طرح سؤال… انتظر 5 ثوانٍ لا تستكمل فورا.. اجعل سؤالك يربك حسابات المفاوض المقابل لتحريكة من نقطة ثباته.
· بعد أى عرض منك … اصمت نهائيٱ ودع الطرف الآخر هو من يبدأ الكلام
· أثناء توتر… تنفس بعمق مرتين قبل الرد

الخلاصه:
المفاوض المحترف هو باني جسور للتوصل لمنطقة الاتفاق، لا حارس حدود يفصل بين المصالح ولا يوجد منطقة مشتركة.

التفاوض الناجح
لا ينتصر فيه طرف على طرف، بل تنتصر فيه العلاقة والمصلحة المشتركة. المفاوض المحترف
لا يرى الطرف الآخر خصماً، بل شريكاً مؤقتاً في حل مشكلة.

التحول المطلوب:
من”كيف أربح أكثر منه؟”
إلى”كيف نربح معاً أكثر مما كنا نتصور؟”

انتهى
واهدي لك مصادر للحصول على معلومات اضافيه عن موضوع المقال
كتاب: “الحصول على نعم” لروجر فيشر (مؤسس نظرية التفاوض حسب المصلحة)

مشاهدة: فيديو “فن التفاوض” لويليام يوري (متاح بالعربية)

اشتغل على نفسك:
تمرين منزلي: تفاوض مع اولادك على وقت النوم او العودة للمنزل او استخدام ادوات الترفيه.. وذلك باستخدام المبادئ الموضحة أعلاه

مصطلح خلاصة المقال:
منطقة الاتفاق الممكن “ZOPA” :
هي المساحة التي يتقاطع فيها عرض البائع مع طلب المشتري، حيث تكون الصفقة محتملة جدٱ و ممكنة.
ء—

في المقال القادم:
سنغوص في الإعداد الاستراتيجي:
كيف تعد خريطة طريق تفاوضية قبل أن تجلس إلى طاولة المفاوضات؟
وما هي الأوراق الخفية التي يجهلها 90% من المفاوضين؟

تفاعلك اللحظى:
اكتب لي ما هو أكثر خطأ تفاوضى وقعت فيه في حياتك عمومٱ سواء العمليه او الأسرية..؟؟؟

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى