Uncategorized

من العراق إلى فنزويلا: لماذا تختلف أدوات التدخل؟ قراءة قانونية سياسية في منطق القوة واختلاف الأهداف

من العراق إلى فنزويلا: لماذا تختلف أدوات التدخل؟
قراءة قانونية سياسية في منطق القوة واختلاف الأهداف
بقلم / أشرف مشرف
محامٍ بالنقض وباحث في القانون الدولي
بعيدًا عن الجدل حول صحة الأخبار المتداولة بشأن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، يفرض الواقع السياسي سؤالًا لا يمكن تجاهله: لماذا تختلف أدوات التدخل من دولة إلى أخرى؟ ولماذا يُستهدف الرئيس أحيانًا، بينما تُستهدف الدولة بكاملها أحيانًا أخرى، رغم تشابه الخطاب القانوني المعلن؟
وانطلاقًا من هذا السؤال، يتضح أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بصحة الخبر من عدمها، بقدر ما يتعلق بطبيعة السيناريو ذاته. فكيف يبدو هذا المسار، إن صح في جوهره، ممكنًا مع مادورو، بينما لم يكن مطروحًا أصلًا مع صدام حسين أو معمر القذافي؟ ولماذا، في المقابل، لم تُعامل فنزويلا بالطريقة ذاتها التي عومل بها العراق أو ليبيا، رغم ما يبدو من تشابه ظاهري بين الحالات الثلاث؟
للإجابة عن ذلك، لا بد من الانتقال من مستوى الخبر إلى مستوى التحليل، ومن ظاهر الوقائع إلى منطق الغاية والأداة، ثم إلى القراءة القانونية المصاحبة لكل حالة. فالقانون الدولي، في هذا السياق، لا يظهر بوصفه نصًا ثابتًا أو قاعدة جامدة، بل بوصفه أداة تُستدعى أو تُؤوَّل أو يُلتف عليها بحسب الهدف السياسي المراد تحقيقه.
فمن حيث المبدأ، يضع القانون الدولي العام خطوطًا حمراء واضحة، إذ يحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي، ويُجرّم العدوان، كما يقرّ الحصانة السياسية لرؤساء الدول أثناء توليهم مناصبهم. غير أن التجربة العملية، وعلى مدار العقود الأخيرة، أثبتت أن هذه القواعد لا تُطبَّق بوصفها نصوصًا جامدة، بل كإطار وظيفي قابل للتكييف، تُعاد قراءته وفق السياق والغاية، وهو ما يفسر، في نهاية المطاف، لماذا تختلف الأدوات من حالة إلى أخرى رغم وحدة القاعدة النظرية.
وفي هذا الإطار، يمكن إدراك أن ما جرى في العراق لم يكن يستهدف صدام حسين كشخص، مهما جرى تقديمه إعلاميًا باعتباره «جوهر المشكلة». فالخطاب القانوني الذي سبق الغزو تحدث عن أسلحة دمار شامل، وتهديد للسلم والأمن الدوليين، وتنفيذ قرارات أممية سابقة، وهي مبررات، بغض النظر عن زيفها لاحقًا، وفّرت غطاءً قانونيًا يسمح باستخدام القوة الشاملة ضد الدولة ذاتها، لا ضد الرئيس فقط.
ثم جاءت القرارات التي اتُخذت بعد الاحتلال، وعلى رأسها حلّ الجيش وتفكيك مؤسسات الدولة، لتؤكد أن الهدف لم يكن تغيير رأس النظام، بل تفكيك الدولة نفسها وإعادة تركيبها. وفي هذا السياق تحديدًا، لم يكن اختطاف صدام أو اغتياله حلًا مناسبًا، لأن القبض على الرئيس لا يبرر احتلال البلاد، ولا يبرر حلّ الجيش، ولا يبرر إعادة هندسة النظام السياسي من الخارج. ولذلك، كان لا بد أن تسقط الدولة أولًا، ثم يُقبض على صدام لاحقًا بوصفه رئيسًا مخلوعًا لا يتمتع بحصانة. وهنا لم يُخرق القانون الدولي فجأة، بل جرت إعادة تأويله لخدمة مشروع أوسع.
وبصورة قريبة من ذلك، وإن اختلفت التفاصيل، جاء المشهد الليبي. فقد بدا التدخل في ليبيا أكثر التزامًا شكليًا بالقانون الدولي، إذ لم يمنح قرار مجلس الأمن تفويضًا صريحًا بإسقاط النظام، بل اقتصر على حماية المدنيين وفرض حظر جوي. غير أن التطبيق العملي وسّع هذا التفويض تدريجيًا حتى انتهى إلى تدمير بنية الدولة، وإسقاط النظام، وترك البلاد في فراغ سيادي ممتد. ولم يكن القذافي مستهدفًا قانونيًا كشخص منذ البداية، ولم يُقبض عليه، بل قُتل لاحقًا في سياق انهيار الدولة، وهو ما يعيدنا إلى القاعدة نفسها: لو أُزيح القذافي مبكرًا وبقيت الدولة، لما تحققت النتيجة التي آلت إليها ليبيا، فالقانون الدولي لم يُلغَ، وإنما جرى تمديده حتى فقد حدوده.
وعلى النقيض من ذلك، تقدم تشيلي نموذجًا مختلفًا تمامًا. فهناك لم يكن ثمة غزو، ولا قرارات أممية، ولا قوات أجنبية تتدخل علنًا، بل كان هناك انقلاب داخلي أطاح بالرئيس سلفادور أليندي، بدعم خارجي غير مباشر. ومن زاوية القانون الدولي، لم تُمس سيادة الدولة رسميًا، ولم تُستخدم قوة عسكرية أجنبية علنية، وجرى تقديم ما حدث باعتباره شأنًا داخليًا. وهنا يتجلى الفارق الجوهري: حين يكون الهدف هو الرئيس فقط، يُفضَّل الالتفاف على القانون من الداخل، لا كسره من الخارج.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم لماذا يبدو استهداف مادورو، إن صحّ الاتجاه الحالي، مختلفًا جذريًا عن العراق وليبيا. فلا حديث هنا عن غزو شامل، ولا عن إسقاط الدولة، ولا عن حلّ الجيش، بل يجري التركيز على تجريم شخص الرئيس، وتصويره كفاعل جنائي دولي، والسعي إلى نزع حصانته السياسية. وهنا يحدث التحول القانوني الأخطر، إذ يُعاد توصيف الفعل من كونه عدوانًا على دولة إلى كونه إجراءً قسريًا ضد فرد، وهو توصيف يجعل الانتهاك، رغم خطورته، أقل كلفة قانونيًا وسياسيًا من تدمير دولة كاملة.
أما سبب عدم استخدام هذا المسار مع صدام أو القذافي، فيعود إلى أن الهدف في العراق وليبيا لم يكن الشخص، بل النظام والدولة معًا. أما في فنزويلا، فإن تدمير الدولة غير مرغوب سياسيًا، وغير قابل للإدارة، وغير قابل للتسويق القانوني في السياق الإقليمي. فضلًا عن ذلك، تحولت التجربة العراقية ذاتها إلى درس سلبي في الذاكرة الاستراتيجية، بعدما أثبت تفكيك الدولة أنه يولّد فراغًا أخطر من النظام الذي أُسقط.
وإلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال الرابط الجوهري الذي يجمع بين العراق وليبيا وفنزويلا، وهو البترول، لا باعتباره موردًا اقتصاديًا فحسب، بل عنصرًا سياديًا يحدد شكل التدخل وحدوده. ففي العراق، كانت الدولة تسيطر على أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم خارج المنظومة الغربية، ومن ثم فإن إسقاط صدام دون تفكيك الدولة كان سيُبقي السيطرة السيادية على النفط، وهو ما لم يكن متوافقًا مع الهدف الاستراتيجي، لذلك جرى استهداف الدولة ذاتها. وفي ليبيا، كان النفط مرتبطًا بسيادة دولة مركزية مستقلة القرار، فانتهى كسر الدولة إلى تفكيك الإطار السيادي الذي يدير هذا المورد وتحويله إلى عنصر صراع داخلي وتدويل دائم. أما في فنزويلا، فإن تدمير الدولة النفطية بالكامل سيؤدي إلى فوضى طويلة الأمد في سوق الطاقة، وإلى فقدان السيطرة على المورد بدل إعادة توجيهه، ومن ثم تميل المقاربة إلى استهداف القيادة مع الحفاظ على الدولة بوصفها الإطار القادر على إدارة الثروة لاحقًا.
ويُضاف إلى ذلك عامل لا يقل أهمية، يتمثل في موقع فنزويلا بوصفها جزءًا مما يُعرف تاريخيًا بالحديقة الخلفية للولايات المتحدة. ففي هذا النطاق الجغرافي، لا يُعد تدمير الدولة ميزة استراتيجية، بل عبئًا ثقيلًا، إذ إن انهيار دولة بحجم فنزويلا يعني فوضى قريبة من الحدود الأمريكية، وموجات نزوح مباشرة، وفتح المجال لتدخل قوى دولية منافسة داخل المجال الحيوي الأمريكي نفسه. وعلى العكس من ذلك، جاء تدمير العراق وليبيا في سياق دولي وإقليمي حمل مكاسب إضافية للولايات المتحدة، سواء في إطار ما سُمّي بالربيع العربي، أو في سياق إعادة رسم توازنات الشرق الأوسط، وإضعاف دول مركزية عربية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة وغير مباشرة على تعزيز ميزان القوى لمصلحة إسرائيل.
ومن ثم، يتضح أن القانون الدولي لا يُنتهك بالطريقة نفسها في كل مرة، بل يُعاد توظيفه وفق الغاية المرجوة. ففي العراق جرى تعليق القانون باسم إعادة التشكيل، وفي ليبيا جرى تمديد التفويض حتى الانهيار، وفي تشيلي جرى الالتفاف من الداخل، أما في فنزويلا، إن صح الاتجاه الحالي، فيجري تفريغ الحصانة بدل تدمير الدولة.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان ما يحدث قانونيًا أو غير قانوني، بل لماذا اختير هذا المسار القانوني تحديدًا دون غيره. والإجابة، في جميع الحالات، واحدة: طريقة إسقاط الرئيس تكشف الهدف الحقيقي من التدخل أكثر مما تكشفه الشعارات المعلنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى