المقالات

لا تنتظروا الأبطال.. اصنعوهم!

لا تنتظروا الأبطال.. اصنعوهم!

بقلم : أيمن عدلي

في زمن تتسارع فيه المنافسة وتتبدل فيه معايير النجاح المؤسسي، لم تعد الثروات تقاس فقط بحجم الأصول أو قوة الميزانيات، بل بقدرة المؤسسة على اكتشاف الإنسان الذي يقف خلف كل إنجاز.. فالقيمة الحقيقية اليوم تكمن في المواهب التي تجلس خلف المكاتب، وتبتكر في الصمت، وتنتظر الفرصة لتثبت أنها الثروة الأغلى. وبينما نشتكي من هروب العقول، يبقى السؤال الأهم: هل منحنا هذه العقول سبباً لتبقى؟

المواهب موجودة..لكن من يبحث عنها؟

في تقديري المؤسسات تواجه تحدياً متكرراً: ليست المشكلة في نقص المواهب، بل في ضعف القدرة على رؤيتها في الوقت المناسب..ففي كثير من الأحيان، تضيع طاقات استثنائية لأن أحداً لم يلتفت إليها، أو لأنها لم تجد القائد الذي يمنحها الثقة، أو البيئة التي تحتضن طموحها.

موظف يملك فكرة مبتكرة قد يفقد حماسه إن لم يجد من يستمع إليه.. وموهبة خام قد تنطفئ قبل أن تتاح لها فرصة واحدة لصقل قدراتها..وبينما نلوم المنافسين لأنهم خطفوا أفضل كوادرنا، ربما كان من الأولى أن نلوم عجزنا عن استثمار كنوزنا البشرية.

الموهبة ليست مكتملة..إنها تحتاج صانعاً

الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن المواهب لا تُولد مكتملة. فالموهبة أشبه بجوهرة تحتاج من ينظفها ويصقلها ليظهر بريقها..والمؤسسة الرائدة هي تلك التي تدرك أن دورها لا يقتصر على التوظيف، بل يمتد ليشمل الرعاية والتطوير والتدريب المستمر.

وأتساءل:كم من فكرة عظيمة ماتت لأن صاحبها لم يجد من يؤمن بها؟
وكم من موظف مبدع رحل لأنه شعر أنه مجرد رقم في قائمة طويلة؟

المؤسسة الناجحة لا تعتمد على انتظار المعجزات، بل تصنعها عبر بناء منظومة تكتشف قدرات أفرادها قبل أن يكتشفهم الآخرون.

 

الدرس الأهم: الأبطال لا يستوردون..بل يصنعون

تؤمن المؤسسات العالمية اليوم بنموذج جديد للنجاح: صناعة الأبطال من الداخل. فبدلاً من مطاردة الكفاءات في السوق، تعتمد هذه المؤسسات على بناء خط إنتاج داخلي للمتميزين، قائم على:
• التدريب المتواصل
• التمكين الفعلي
• منح الثقة
• توفير فرص التجربة والتطبيق
• دعم المبادرات الفردية

هذا الاستثمار ليس تكلفة، بل هو أعظم رهان يمكن للمؤسسة أن تخوضه. فالموظف الذي يحصل على الأدوات المناسبة والبيئة الداعمة يتحول إلى محرك للإبداع، وإلى سفير حقيقي للمؤسسة، وإلى صانع إنجازات يومية تتجاوز التوقعات.

رؤية مستقبلية: المؤسسة التي تحوّل الموظف إلى قصة نجاح

تخيل مؤسسة يصبح فيها كل قائد مسؤولاً عن اكتشاف المواهب، وكل إدارة تمتلك نظاماً فعّالاً لصناعة المبدعين، وكل موظف يشعر أن طموحه يُحتضن لا يهمل. عندها ستتحول المؤسسة إلى بيئة جاذبة، لا تبحث عن الكفاءات بل تجذبها، ولا تخشى هروب المواهب لأنها تصنع أفضل منهم باستمرار.

إن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأسرع والأضمن لبناء مستقبل مهني مزدهر..فحين تؤمن المؤسسة بقدرات أفرادها، وتنظر إليهم باعتبارهم ثروتها الأولى، تتحول إلى مقصد للمبدعين وملاذ للطموحين.

إن السؤال الذي يجب أن يواجهه كل قيادي اليوم هو: كم موهبة خسرناها لأننا لم نمنحها فرصة؟ وكم بطلاً يمكن أن نصنعه لو قررنا فقط تغيير نظرتنا إلى العنصر البشري؟

الثروة الحقيقة ليست في الأرقام، بل في العقول..والأبطال لا ينتظرون أن يكتشفوا ..بل يحتاجون إلى مؤسسة تؤمن بأن داخل كل موظف بطل ينتظر لحظة انطلاقه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى