مستشارك القانونى

      عِلْمِ القاضي الشخصي كتب المستشار/ محمد أبو مسلم

      عِلْمِ القاضي الشخصي
كتب المستشار/ محمد أبو مسلم

لقد شرع القضاء لحكمة عظيمة وهي جلب المصالح ودرء المفاسد، ففيها يقمع الظالم وينصر المظلوم، وتقطع الخصومات بحكم عادل، لذا فإن إقامة العدل والعمل على إيصال الحقوق إلى أهلها كفيل بتوفير الأمن والطمأنينة في نفوس المجتمع، لذلك سعت الدول إلى تطوير المنظومة القضائية وتسهيل إجراءاتها لتحقيق العدالة المجتمعية وفى سبيل ذلك دعا العديد من الفقهاء والباحثين إلى ضرورة الاجتهاد القضائي ومنح القاضي سلطة القضاء بعلمه الشخصي في بعض القضايا….. وفى هذا الصدد اختلفت فيه الآراء الفقهية حوله المُجيزة والمانعة لقضاء القاضي بعلمه.
وحيث أن القول الفصل في هذا النطاق أن قضاء القاضي بعلمه منوط بالبيئة التي يُطَبَّقُ فيها، فمتى سادت التّقوى جاز للقاضي أن يقضي بعلمه، ومتى انعدمت مُنع من ذلك … وإن كان مستساغاً قضاء القاضي بعلمه الشخصي في بعض الأزمنة إلا أنه أمر يصعب تصوره في زمننا هذا لما نلاحظه من ضعف الايمان وتغليب بعض الناس لمصالحهم الشخصية دون اعتبار لأعراض وأموال الناس، حيث أن الأمر في غاية الأهمية ولا يقبل التفريط أو التساهل فيه. ولقد كان سيد الخلق أجمعين سيدنا محمد صلى الله علية وسلم يعلم من المنافقين ما يبيح دماءهم وأموالهم، ولا يحكم فيهم بعلمه، مع براءته عند الله من كل تهمه.
ولما كانت الشريعة الإسلامية تقوم على جلب المصالح وسد الذرائع فقد ساير المشرع المصري الشريعة الإسلامية في هذا المنهج القويم ونص على أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه الشخصي وهو سارت على دربه أحكام القضاء المصري في هذا تأصيلاً لمبدأ حياد القاضي من أنه لا يجوز للقاضي أن يفصل في الدعوى استناداً إلى معلوماته الشخصية وإن كان له الاستعانة بالمعلومات المستقاة من الخبرة بالشئون العامة.
وهنا يأتي التساؤل…. كيف يكون الوضع إذا أعطى القضاة الحق بالاعتماد على معلوماتهم الشخصية في الوقائع المنظورة أمامهم …. أو ليس في هذا المنع حماية للقاضي نفسه ولمكانة القضاء من أن تزلزل في نفوس الناس …. كذلك فإن صفة القاضي بالنسبة لمعلوماته الشخصية أنه شاهد وثمة تناقض بين صفتي القاضي والشاهد، فضلاً عن أن الاعتماد على المعلومات الشخصية للقاضي دون أن تتاح فرصة مناقشتها وتقويمها ومن ثم الاعتماد عليها مناقضا لمبدأ الشفوية والتي هي أساس المحاكمة العادلة … وأخيراً درءً للشبهات من أن يستقى القاضي معلوماته من خارج مجلس القضاء.
لذا فإن المقرر قانوناً والمستقر عليه قضاءً عدم جواز قضاء القاضي بعلمه الشخصي في المنازعات التي تعرض عليه بمجلس القضاء سداً للذرائع ودرءً للشبهات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى