المقالات

صديقى   القديم   بقلم د نشوى فوزى

صديقى   القديم  

بقلم  /د  نشوى  فوزى 

صديقي القديم .. أفتقدك جدا وأبحث عنك ولا أجدك .. في الصباح الباكر كان تقبلي الشديد دون جدال النزول لعربة الفول وإحضار فطورة الأسرة والخبز الساخن ..
في الصباح المبكر كانت أغاني إذاعة الراديو وكلمتين وبس وبالسلامة يا حبيبي بالسلامة وإبتسامة أمي وزى المدرسة الذي كان يكويه لي أبي بعناية شديدة ..
في الصباح الباكر كان إنتطام الطابور المدرسي و كلمة الصباح في الإذاعة المدرسية ولون الجوارب الأبيض المطابقة للون القميص النظيف ولون الشريطة البيضاء التي كانت تتداخل مع ضفائر شعري الأسود ..
وفي المساء كانت العودة إلى البيت و لمة أهل البيت على الغداء ألفة لازلت أذكرها حتى اليوم .. ثم مشهد الأم المألوف في الأسرة المصرية المعتادة حتى ينتهي اليوم لازال محفورا في ذاكرتي ولم أستطع تقليدها يوما أبدا ولا أعلم كيف كانت تلك السيدة ترتب دقائقها إلى هذا الحد وبتلك الدقة ولم يكن لديها مالدي أنا الآن ..
وها قد كبرنا وكبر معنا الوطن شيئا فشيئا .. ووعيت الوطن في سلوكي وعباراتي ومشاعري وخفقات قلبي كلما سمعت نشيد بلادي بلادي حتى اليوم .. ما كل هذا الجلل وتلك الهيبة التي حملتك عليها بداخلي أيها الكائن الصغير الذى كبر معي بالتديج ..
وأعترف أني الآن أفتقدك جدا يا صديقي القديم.. وأبحث عنك بداخلي ولا أجدك .. ولا أعلم لما إختفيت .. وتحول صباحي إلى صباح باهت .. يحمل المزيج من الرفاهية والكسل .. أعترف أيضا أن الفول المعلب على مائدة الصباح بالفعل شهي لكنه إفتقد الصنعة التي آنستها قديما في عربة الفول العتيقة التي لم لم نسأل عنها يوما هل كانت تطابق الشروط والمواصفات والصلاحيات العالمية لسلامة الأمن الغذائي أم لا.. ولم لم نكن نمرض!
أعترف أيضا بإندهاشي وأنا أستحي قهوة الصباح في شرفتي .. ماكل تلك الضوضاء وهذا العادم وذاك السباق العشوائي بين السيارات .. ولم كل هذا الوجوم والغربة التي تكسو ملامح الصغير قبل الكبير .. مال لهذا الصباح غير مبهج .. مالي لا أستمع إلى زقزقات العصافير .. أين الشجر وبائع الجرائد واللبن !!.. ماالسماء غير صافية كقديما ..
ولم أبحث في الراديو عن تلك الأغاني الحبيبة ولا أجدها سوى هرمة مهملة .. هل تشيخ الأغاني كما يشيخ الإنسان ..!! ولم كل هذا الغضب على وجهك البريئ ياصغيري وأنت ذاهب إلى المدرسة مبعثرا في كل شيئ وناقما على طعامك الفخم جدا ومصروفك الكبير جدا .. وغير عابئ بملامحي وأنا أقبلك قبل فراقنا الصغير كل صباح ياصغيري .. كانت أمك صغيرة أيضا مثلك ألم تحكي لك كيف كان حالها !! ..
أين جارتي القديمة التي كنت أحييها من الشرفة ونحن نختم نشاطاتنا المنزلية البسيطة قبل اتجاهنا إلى العمل .. أين أنتى ياأمي وأين فطور الصباح وإبتسامة الصباح الواعدة بالرجوع السريع إلى البيت ..
أين أنت يا أبي ألن تكوي لي ملابسي كما عودتني ..
هل هرمتما ياوالداي .. أم هرمت أنا !! ..
أم هرمت أنت يا صديقي القديم بداخلنا جميعا !! ..
أم غادرتنا وتركتنا نحيا معا في البيت غرباء .. !!
وللحديث بقية ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى