قصة وعبرة

قصة الشاب الذى سجد فى قاع البحر

كتبت: د.نجوان حسني 

كنت شابا أظن أن الحياة .. مال وفير .. و فراش وثير .. و مركب وطيء ..
و كان يوم جمعة .. جلست مع مجموعة من رفقاء الدرب على الشاطئ .
وهم كالعادة مجموعة من القلوب الغافلة ..
سمعت النداء حي على الصلاة .. حي على الفلاح ..
أقسم أني سمعت الآذان طوال حياتي .. و لكني لم أفقه يوماً معنى كلمة فلاح ….
طبع الشيطان على قلبي .. حتى صارت كلمات الآذان كأنها تقال بلغة لا أفهمها ..
كان الناس حولنا يفرشون سجاداتهم .. و يجتمعون للصلاة ..
و نحن كنا نجهز عدة الغوص و أنابيب الهواء ..
استعداداً لرحلة تحت الماء ..
لبسنا عدة الغوص .. و دخلنا البحر ..
كان كل شيء على ما يرام ..
وفي غمرة المتعة .. فجأة تمزقت القطعة المطاطية التي يطبق عليها الغواص بأسنانه و تمزقت أثناء دخول الهواء إلى رئتي .. و فجأة أغلقت قطرات الماء المالح المجرى التنفسي … و بدأت أموت ..
بدأت رئتي تستغيث و تنتفض .. تريد هواء .. أي هواء ..
أخذت اضطرب .. البحر مظلم .. رفاقي بعيدون عني ..
بدأت أدرك خطورة الموقف .. إنني أموت ..
بدأت أشهق .. و أشرق بالماء المالح ..
بدأ شريط حياتي بالمرور أمام عيني ..
مع أول شهقة .. عرفت كم أنا ضعيف ..
بضع قطرات مالحة سلطها الله علي ليريني أنه هو القوي الجبار ..
آمنت أنه لا ملجأ من الله إلا إليه… حاولت التحرك بسرعة للخروج من الماء ..
إلا أني كنت على عمق كبير ..
ليست المشكلة أن أموت .. المشكلة كيف سألقى الله ؟!
إذا سألني عن عملي .. ماذا سأقول ؟
أول ما أحاسب عنه .. الصلاة .. و قد ضيعتها ..
تذكرت الشهادتين .. فأردت أن يختم لي بهما ..
فقلت أشهـ .. فغصَّ حلقي .. وكأن يداً خفية تطبق على رقبتي لتمنعني من نطقها ..
حاولت جاهداً .. أشهـ .. أشهـ .. بدأ قلبي يصرخ : ربي ارجعون .. ربي ارجعون ..
ساعة .. دقيقة .. لحظة .. و لكن ….. هيهات ..
بدأت أفقد الشعور بكل شيء .. أحاطت بي ظلمة غريبة ..
هذا آخر ما أتذكر ..
لكن رحمة ربي كانت أوسع ..
فجأة بدأ الهواء يتسرب إلى صدري مرة أخرى ..
انقشعت الظلمة .. فتحت عيني .. فإذا أحد الأصحاب ..
يثبت خرطوم الهواء في فمي ..
و يحاول إنعاشي .. و نحن مازلنا في بطن البحر ..
رأيت إبتسامة على محياه .. فهمت منها أنني بخير ..
عندها صاح قلبي .. و لساني .. و كل خلية في جسدي ..
أشهد أن لا إله إلا الله .. و أشهد أن محمد رسول الله .. الحمد لله ..
خرجت من الماء .. وأنا شخص آخر ..
تغيرت نظرتي للحياة .
أصبحت الأيام تزيدني من الله قرباً .. أدركت سرَّ وجودي في الحياة .. تذكرت قول الله تعالى : ( إلا ليعبدون ) ..
صحيح .. ما خُلقنا عبثاً ..
مرت أيام .. فتذكرت تلك الحادثة ..
فذهبت إلى البحر .. و لبست لباس الغوص ..
ثم أقبلت إلى الماء .. وحدي و توجهت إلى المكان نفسه في بطن البحر ..
و سجدت لله تعالى سجدة ما أذكر اني سجدت مثلها في حياتي ..
في مكان لا أظن أن إنساناً قبلي قد سجد فيه لله تعالى ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى